#محراب_عينيكِ
#صفاء_حسين_العجماوي
-٩-
احتشدت المشاعر في صدر صفية كجزوة نار متأججة تنفس أدخنة حارة تخرج من شفتيها على هيئة زفرات عميقة متلاحقة. تأملتها الشيماء بحب وتفهم. ابتسمت لها صفية وأعتدلت في جلستها، وأحتضنت كفيها في راحتيها، وسألتها برجاء: سأقص عليكِ سرًا، لم أبح به لأحد، في غرنو كلها لم يطلع عليه سوى صفوان. فهلا تفضلتي وكتمته بصدرك، حتى لا يصل إلى مسامع أبي، فيتألم؟
هزت الشيماء رأسها بقوة، وهي تحلف بالله أن تبقيه طي الكتمان، وبقبلة بين عيني صفية ختمت قسمها. ابتسمت لها الأخيرة برقة، ثم أخذت نفس من عمقه تظن أنها ملئت شعبها الهوائية على أقصاها، ثم أطلقتها ببطء شديد، لتخرجه حاملًا توترها، وتفتح خزائن طمرت في أقصى فؤادها، وبدأت تقص بروية: تعلمين أن والدتي لم تكن من غرنو، بل كانت الابنة الكبرى لقائد جند جبل طارق. منذ سبعة وعشرون عامًا كان عرس خالي الأصغر سيف الله محمد بن الأحمد الأشجعي، أمهر فرسان جبل طارق قاطبة. أرسل جدي لأمي يستقدمها، لتشرف على التجهيزات، فحضرت بصحبة وصيفتها ولادة وبرفقتها ولدها صفوان ذو السبعة أعوام.
قاطعتها صديقتها تستفسر: وماذا عن حماد؟
ابتسمت صفية وأجابت ببساطة: لقد كان برفقة والدي، فكما تعلمين في مملكتنا أندلو عندما يتم الصبي عمر العشر سنين يتم تعليمه أصول الفروسية، ألا في غرنو فيتم ألحاقه بمدارس الفروسية وهو ابن أثنى عشر عامًا، وحينها كان ملتحقًا بها منذ شهر فقط.
أزاحت خصلة سقطت على جانب خدها الأيسر، وأكملت بحزن: كان أبي يخشى على أمي تبعات السفر، فقد كنت قد أتممت في رحمها ستة أشهر، وقد طرحت قبلي سبعة أجنة، لكنه لا يستطيع أن يرفض سفرها، لأن والدتها قد انتقلت لجوار ربها منذ خمس سنين. من رحمة ربي كان السفر هنيئًا، فلم تشعر أمي به، حتى إنها شرعت فور وصولها في تجهيزات العرس.
شهر زمان وكان خالي يزف في ساحة جبل طارق ومن حوله الفرسان يرقصون بسيوفهم بحماسة، وأهل المدينة يصفقون فرحًا، أما علية القوم وأكابرها، فكانوا يستمتعون بمبارزات شعرية في قصر جدي لفطاحل الشعراء أن ذاك، بينما كانت أمي تستقبل المهنئات من النساء في قصر خالتي الوسطى باسمة وسط المغنيات والراقصات. لقد كان زفافًا أسطوريًا بحق كاد يستمر حتى الصباح، لولا أصراري على القدوم للحياة قبيل منتصف الليل. كان وضع أمي حرجًا ومقلقًا جعل القابلات يشفقن على أمي التي غيبها الألم عما حولها، فقد سحقهًا، وفتت عزمها. لقد تسرب التوتر بين الجميع كالغاز السام، حتى أن العروس وقفت على باب غرفة أمي في انتظار البشارة بلهفة طفل صغير ينتظر شروق شمس العيد ليرتدي ملابسه الجديدة.
قبيل الفجر يبدو أنني أكتفيت بأثارة رعبهم وتوترهم، وأثرت القدوم مع تكبيرات أقامة صلاة الصبح، وعلى الرغم مما مرت به أمي إلا أنها كانت بصحة جيدة، ولقد تلقفتني الإيدب بحب، حتى وصلت لأحضان جدي الذي قبلني، ورفع الأذان في أذني اليمني، وأقام في اليسرى، ولاك فمي بالتمر قبل أن يعيدني لأمي، يومان نعمت فيهم بحنان أمي، قبل أن يقرر فرسان قيشو غزو مدينتنا، والاستيلاء عليها، فضربوا عليها حصارهم الثامن الذي ما لبث أن تحول إلى ظفر لهم، واجتاحوا المدينة ولم يفرقوا بين الرجال والنساء، والأطفال وكبار السن، بين الأخضر واليابس، فقد أعملوا الحرق والقتل دون تمييز، فما كان من أمي ألا أن حملت السيف للدفاع مع نسوة القصر، وأمرت ولادة ووصيفة خالتي جواهر بأن تحملني مع أبني خالتي محمد ذو الخمس سنوات ووائل ذو الثلاث سنوات مع ولدها إلى السرداب الموجود بغرفة جدي المؤدي إلى خارج أسوار البلدة. تقدمت نحو المكتبة خالتي وبيدها اليمني سيف والأخرى خنجر، ومن ورائها ولادة وهي تحتضنني بيدها اليسرى، وبيدها اليمني خنجر، ومن خلفها صفوان ممسك بيدي محمد ووائل، وفي الخلف جواهر تعطينا ظهرها، ممسكة بسهم وقوس وعلى أحد كتفيها جعبة النبال والأخرى المؤنة، وعن يمينها أمي شاهرة سيف ذو نصلين. ما أن فتحنا باب الغرفة حتى تعالى صراخ الحراس الذين يقاتلون المقتحميين، فدفعت خالتي ولادة والأطفال ومن بعدهم جواهر، وأشارت لهم نحو باب السرداب، وبكلمات مقتضبة شرحت كيفية الوصول إليه واعطتنا خريطة عبور متاهته بأمان، ثم وقفت بجانب أمي لحراسة الباب حتى نستطيع الهرب. فتحت جواهر الباب، فإذا بصرخات فرسان قيشو ترتفع لقد وصلوا إلى باب المكتبة وبدؤا قتالا غير متكافئ مع أمي وخالتي اللتان قتلتا أمام أعيننا. لم تحتمل جواهر أكثر فصرخ في ولادة لندخل جميعًا نحو السرداب، وأطلقت سهامها لتحصد أرواحهم النجسة، وتندفع خلفنا مغلقة الباب بسرعة، لنبدأ رحلة هروبنا.
#يتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق