الزيتونُ والبحر .
من مجموعتي القصصية : ندوبٌ في جدار الذاكرة .
بقلم الكاتب الاعلامي : أنور ساطع أصفري .
**************************************************************************
ترقدُ في ظلِّ الداليةِ شاردةً متأمّلةً في كوامنِ هذه الحياة ، وبينَ فترةٍ وأخرى كانت والدتي تُطلقُ زفرةً طويلةً تنمُّ عن همٍّ يسكنها .
والدي يحملُ أدواتهِ متوجهاً نحوَ أشجارِ الزيتون ، شمسُ الضحى ساطعةً هادئةً تبعثُ الأملَ في النفوس ، الظلُّ ينحسرُ رويداً رويداً وأنا أنسحبُ معه نحو المجهول .
مروانُ جاء متأخراً بإزاره الأزرق الذي يتناغمُ مع فستاني الأزرق ، كيف لا فالبحرُ أزرق ، والسماءُ زرقاء ، وعندما إقتربَ مني أخذَ بيدي بكلِ عفويةٍ بينَ يديه وجرينا نركضُ نحو صوبَ البحرِ ونحن نضحك .
في صيفٍ آخرَ ذهب والدي وأبو مروان إلى الصيدِ في أعماقِ البحر ، تركونا وحدنا مع الحرِّ والداليةِ والزيتون ، ومعَ الوحدةِ والإنتظار ، طال الإنتظار ، سكننا القلقُ طويلاً ، وهكذا شاءت الأيام أن نتحولَ أنا ومروان إلى يتيمين .
مروانُ يكبرُ بسرعةٍ ، يعملُ في رعاية الزيتون والليمون مع عمّه ، وأحياناً أخرى كان يعملُ في مجالِ الصيد ، أمّا أنا فجدائلُ شعري صارت أطول كما ساقاي ، وإتّسعت عيناي متسلّحةً ببريقٍ أخّاذ ، لذلك أمي منعتني من الذهابِ إلى البحرِ مع مروان كما كنّا نفعلُ سابقاً . فافتقدتُ الأزرق لكني تعلّمتُ السباحةَ في عينيّ مروان السوداويتين .
جاء مروان يخطبني بخجل ، وجاءت موافقة أمي سريعةً ، فقد نشأنا يتيمين وتربيّنا صغيرين سويةً ، وتبادلنا الحنان والود مُبكّراً ، وهكذا صُرتُ عروسةً تنتظرُ رجلها المكافح في كلِ مجال ، وكنتُ سعيدةً في زواجي من مروان الذي كنتُ أرى كلّ الحياةِ في عينيه .
مروانُ يعملُ الآن في الجيش ، وأصبح الحزن يكسو وجهه ، جاءني يوماً سوداوي الملامحِ والقسمات ، فسألتهُ :
- ما بك؟ .
صمتَ قليلاً وتنهّدَ ، ثُمّ قال :
- الأمور لا تدعو إلى الراحة .
- كيف؟ .
- كل شيءٍ يتحركُ ويموجُ ضدنا ونحن صامتون وساكنون .
- كيف ؟.
- أخشى على ولدينا .
- كيف ولماذا ؟.
- في الماضي عرفنا سويةً معنى اليتم ، وعرفنا معنى البؤس ، ومعنى أن يسرق البحرُ الأب و.... .
رائد وسالم يكبران ، ويذهبان إلى المدرسةِ ، وأصبحا ينافساني في حبي لأبيهما . أصمتُ كثيراً ، أشردُ ، فتتراءى لي الأيام الخوالي ، الدالية ، وأمي الراقدة في ظلالها ، وأبي المتجه صوبَ البحرِ وصوبَ الزيتون ، تسبحُ عيناي بالدموع وأفكر في كلمات زوجي ، فيصيبني إحباطٌ لا يوصف .
- معنى أن يسرق البحر الأب ...
- الوحوش تحومُ حولنا ، تعبثُ في مياهنا ، كانَ البحرُ بريئاً ورغم ذلك خطفَ أبي وأباكِ .
- .....
- اليوم البحرُ يمارس هواية الخطف والقتل إضافةً إلى طرقٍ أخرى .
- كيف ؟ .
- ألم أقل لكِ إننا سكنون ومتفرجون ، ولكن غيرنا لا يكفُّ عن الحركة ، لقد فتحوا لهم كلّ الأبوابِ والمنافذ ، فجاؤوا ليبتلعوا كلّ شيء .
- من تقصد ؟ .
يُثيرُ الزعر في نفسي ، يصمتُ طويلاً ، يظلّ قلقاً في دواخله ، عيناهُ خليجٌ متوحّش ومضطرب ، لذا صرتُ لا أشعرُ بالأمان في السباحة فيهما .
يتساءلُ بقلقٍ ثانيةً :
- كيف سمحوا لهم بالمجيء ؟. كيفَ فتحوا لهم الشطآن الآمنة ؟.
- مَنْ ؟.
- أساطيلهم المحمّلة بعدةِ الدمارِ والخرابِ والنهبِ تربضُ قريبةً منّا ، ونحن ساكنون ، وفي الجيش يطلبون منّا أن نكون متأهبين وحذرين ! .
- مروان ، عيناك فيهما أشباحٌ مشبوهةٌ وخطرة ، هل أنتَ بخائف ؟.
- لا ، لستُ خائفاً ، ولكن لا أريدُ أن يعيش ولدانا يتيمين كما نحن ، ولا أريدُ أن يُسرق الزيتون وبيّارات الليمون .
صباح ذات يوم إحتضنتُ رائداً وسالماً ، وحينما فضحني ينبوع الدموع في مقلتي ، تساءلا ببراءةٍ وطفوليةٍ لا تُوصف :
- لماذا تبكين يا أُمي ؟.
ذهبتُ في صمتٍ تلتهُ دوعٌ وآهاتٌ تائهةٌ مبعثرة ، فكررا سؤالهما وأضافا :
- هل جرى مكروهٌ لوالدنا ، هل أصابهُ شيءٌ ما ؟.
قرّر مروان أن يتركَ الجيش ، هكذا وبدون أيةِ مقدّمات فاجأني .
- وأين ستعمل ؟.
- سأجدُ عملاً .
- والبحرُ والزيتون ، والخطر الزاحفُ نحونا ! .
- سوف أكون في مكانٍ يسمح لي بالدفاعِ بحريّةٍ وجرأةٍ أكثر ، فلن أترك رائداً وسالماً يتيتّما بسبب أخطائنا .
رغمَ الشقاءِ الذي عانيناه إلاّ أنني كنتُ أحسُّ أنني أعيشُ عمري مليئاً صادقاً مع مروان ، فعاودتُ السباحة في عينيه ، وتذكّرتُ أيام كنّا نسبحُ في البحرِ وحيدين ، يأخذ يدي ويُلصقها في يديه ، ويَلوي ذراعي أحياناً وهو يبتسم ، وأحياناً يخطفُ منّي قُبلةً على عجل ، حلمتُ بالأمنِ وأنا أرمي رأسي فوقَ صدرهِ النابض ألماً وصدقاً وإحساساً .
وحينما كانت الدموعُ تزحفُ متسللةُ إلى خديّ في ظلمةِ الليل ، سمعتُ زوجي يُرددُّ وبذهول :
- آه ، الزيتون ، وبيارات الليمون ، آه....... الزيتون .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق