الثلاثاء، 2 مارس 2021

الزيتون والبحر بقلم //أنور ساطع أصفري

 الزيتونُ والبحر .

من مجموعتي القصصية : ندوبٌ في جدار الذاكرة .


بقلم الكاتب  الاعلامي : أنور ساطع أصفري . 


**************************************************************************


ترقدُ في ظلِّ الداليةِ شاردةً متأمّلةً في كوامنِ هذه الحياة ، وبينَ فترةٍ وأخرى كانت والدتي تُطلقُ زفرةً طويلةً تنمُّ عن همٍّ يسكنها .


والدي يحملُ أدواتهِ متوجهاً نحوَ أشجارِ الزيتون ، شمسُ الضحى ساطعةً هادئةً تبعثُ الأملَ في النفوس ، الظلُّ ينحسرُ رويداً رويداً وأنا أنسحبُ معه نحو المجهول . 


مروانُ جاء متأخراً بإزاره الأزرق الذي يتناغمُ مع فستاني الأزرق ، كيف لا فالبحرُ أزرق ، والسماءُ زرقاء ، وعندما إقتربَ مني أخذَ بيدي بكلِ عفويةٍ بينَ يديه وجرينا نركضُ نحو صوبَ البحرِ ونحن نضحك .


في صيفٍ آخرَ ذهب والدي وأبو مروان إلى الصيدِ في أعماقِ البحر ، تركونا وحدنا مع الحرِّ والداليةِ والزيتون ، ومعَ الوحدةِ والإنتظار ، طال الإنتظار ، سكننا القلقُ طويلاً ، وهكذا شاءت الأيام أن نتحولَ أنا ومروان إلى يتيمين . 


مروانُ يكبرُ بسرعةٍ ، يعملُ في رعاية الزيتون والليمون مع عمّه ، وأحياناً أخرى كان يعملُ في مجالِ الصيد ، أمّا أنا فجدائلُ شعري صارت أطول كما ساقاي ، وإتّسعت عيناي متسلّحةً ببريقٍ أخّاذ ، لذلك أمي منعتني من الذهابِ إلى البحرِ مع مروان كما كنّا نفعلُ سابقاً . فافتقدتُ الأزرق لكني تعلّمتُ السباحةَ في عينيّ مروان السوداويتين . 


جاء مروان يخطبني بخجل ، وجاءت موافقة أمي سريعةً ، فقد نشأنا يتيمين وتربيّنا صغيرين سويةً ، وتبادلنا الحنان والود مُبكّراً ، وهكذا صُرتُ عروسةً تنتظرُ رجلها المكافح في كلِ مجال ، وكنتُ سعيدةً في زواجي من مروان الذي كنتُ أرى كلّ الحياةِ في عينيه . 


مروانُ يعملُ الآن في الجيش ، وأصبح الحزن يكسو وجهه ، جاءني يوماً سوداوي الملامحِ والقسمات ، فسألتهُ :


- ما بك؟ . 


صمتَ قليلاً وتنهّدَ ، ثُمّ قال : 


- الأمور لا تدعو إلى الراحة .


- كيف؟ . 


- كل شيءٍ يتحركُ ويموجُ ضدنا ونحن صامتون وساكنون . 


- كيف ؟. 


- أخشى على ولدينا . 


- كيف ولماذا ؟.


- في الماضي عرفنا سويةً معنى اليتم ، وعرفنا معنى البؤس ، ومعنى أن يسرق البحرُ الأب و.... . 


رائد وسالم يكبران ، ويذهبان إلى المدرسةِ ، وأصبحا ينافساني في حبي لأبيهما . أصمتُ كثيراً ، أشردُ ، فتتراءى لي الأيام الخوالي ، الدالية ، وأمي الراقدة في ظلالها ، وأبي المتجه صوبَ البحرِ وصوبَ الزيتون ، تسبحُ عيناي بالدموع وأفكر في كلمات زوجي ، فيصيبني إحباطٌ لا يوصف . 


- معنى أن يسرق البحر الأب ... 


- الوحوش تحومُ حولنا ، تعبثُ في مياهنا ، كانَ البحرُ بريئاً ورغم ذلك خطفَ أبي وأباكِ . 


- ..... 


- اليوم البحرُ يمارس هواية الخطف والقتل إضافةً إلى طرقٍ أخرى . 


- كيف ؟ . 


- ألم أقل لكِ إننا سكنون ومتفرجون ، ولكن غيرنا لا يكفُّ عن الحركة ، لقد فتحوا لهم كلّ الأبوابِ والمنافذ ، فجاؤوا ليبتلعوا كلّ شيء . 


- من تقصد ؟ . 


يُثيرُ الزعر في نفسي ، يصمتُ طويلاً ، يظلّ قلقاً في دواخله ، عيناهُ خليجٌ متوحّش ومضطرب ، لذا صرتُ لا أشعرُ بالأمان في السباحة فيهما . 


يتساءلُ بقلقٍ ثانيةً : 


- كيف سمحوا لهم بالمجيء ؟. كيفَ فتحوا لهم الشطآن الآمنة ؟. 


- مَنْ ؟.


- أساطيلهم المحمّلة بعدةِ الدمارِ والخرابِ والنهبِ تربضُ قريبةً منّا ، ونحن ساكنون ، وفي الجيش يطلبون منّا أن نكون متأهبين وحذرين ! . 


- مروان ، عيناك فيهما أشباحٌ مشبوهةٌ وخطرة ، هل أنتَ بخائف ؟. 


- لا ، لستُ خائفاً ، ولكن لا أريدُ أن يعيش ولدانا يتيمين كما نحن ، ولا أريدُ أن يُسرق الزيتون وبيّارات الليمون . 


صباح ذات يوم إحتضنتُ رائداً وسالماً ، وحينما فضحني ينبوع الدموع في مقلتي ، تساءلا ببراءةٍ وطفوليةٍ لا تُوصف : 


- لماذا تبكين يا أُمي ؟.


ذهبتُ في صمتٍ تلتهُ دوعٌ وآهاتٌ تائهةٌ مبعثرة ، فكررا سؤالهما وأضافا : 


- هل جرى مكروهٌ لوالدنا ، هل أصابهُ شيءٌ ما ؟. 


قرّر مروان أن يتركَ الجيش ، هكذا وبدون أيةِ مقدّمات فاجأني . 


- وأين ستعمل ؟. 


- سأجدُ عملاً . 


- والبحرُ والزيتون ، والخطر الزاحفُ نحونا ! . 


- سوف أكون في مكانٍ يسمح لي بالدفاعِ بحريّةٍ وجرأةٍ أكثر ، فلن أترك رائداً وسالماً يتيتّما بسبب أخطائنا . 


رغمَ الشقاءِ الذي عانيناه إلاّ أنني كنتُ أحسُّ أنني أعيشُ عمري مليئاً صادقاً مع مروان ، فعاودتُ السباحة في عينيه ، وتذكّرتُ أيام كنّا نسبحُ في البحرِ وحيدين ، يأخذ يدي ويُلصقها في يديه ، ويَلوي ذراعي أحياناً وهو يبتسم ، وأحياناً يخطفُ منّي قُبلةً على عجل ، حلمتُ بالأمنِ وأنا أرمي رأسي فوقَ صدرهِ النابض ألماً وصدقاً وإحساساً . 


وحينما كانت الدموعُ تزحفُ متسللةُ إلى خديّ في ظلمةِ الليل ، سمعتُ زوجي يُرددُّ وبذهول : 


- آه ، الزيتون ، وبيارات الليمون ، آه....... الزيتون .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق