القصة الثانية من مجموعتي القصصية التي تحت الإنجاز (قصص قصيرة من وحي السيرة)
التحدي المُذهل
نزل الوحي على محمد بن عبدالله بغار حِراء, وأخذ يدعو الناس لدين الله, فأمن له بعض النفر من قريش, كان من بينهم بعض السادة, والأغلبية كانوا من الفقراء والعبيد, وقد باشر رسول الله عليه الصلاة والسلام دعوته بالسر, فكان يحًدث من يتوسم فيه الخير بالأمر, فيؤمن له البعض ويكفر البعض الاخر, وكان يتكتم في دعوته, ومع مرور الايام اصبح له أتباع, وأخذت دعوته تنتقل من أذن الى أخرى.
وكان يلتقى بأتباعه في الشعاب والوديان بعيدا عن أعين سادة مكة, الذين تناهت الى أسماعهم أنباء الدعوة فناصبوها العداء, خوفا على مصالحهم, وتحججوا بالخوف على دين أبائهم.
ورغم ذلك كان الدين الجديد كل يوم يستقطب أتباعٌ جدد, ولم يعد بإلإمكان التستر, فقد لاحظ سادة مكة أن هذا الدين قد دخل أغلب البيوت, فقرروا التحدي ومحاربته بشتى السبل.
في هذه الأثناء تناهى الى سمع الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي أن محمد بن عبدالله يدعو الى دين جديد, دين يسفه عبادة الأصنام ويوجه الناس الى الطريق الصحيح وهو عبادة الله الواحد الأحد.
كان الأرقم من أشداء بني مخزوم, وقد عرفته قريش رجلا, لايحابي ولا يجامل, ولا يسكت عن الحق, ورغم تجهمه وقسوته, عرف الناس أنه لايظلم ولا يحب الظلم, فهو قليل الكلام يتحاشى مجالس قومه لعصبيته الزائدة, وكان الناس أيضا يتحاشونه لغضبه السريع, وهو لا يتورع عن ضرب من تسول له نفسه التعرض له بالفعل أو بالكلام.
خاطب الأرقم نفسه قائلا: هذا محمد الملقب بالصادق الأمين, لقبه الناس بذلك لصدقه وأمانته, لم يكذب على الناس, فهل يُعقل أن يكذب على الله, وهو كما يعرفه الجميع ذو عقل راجح, فهل يقوده عقله ليجلب على نفسه هذه المتاعب, وهل يستطيع رجل دون سند قوي أن يتحدى مجتمع باكمله, ولنقل أنه يستطيع ذلك في مكة اعتمادا على قومه من بني هاشم ومالهم من مكانة في قريش؟..فهل يستطيع هو وبنو هاشم, وقريش مجتمعة على معاداة كل هولاء العرب؟..وهل..وهل؟.
أخذت الأسئلة كل تفكير الأرقم بن أبي الأرقم, وكان رجلا يحترم العقل, فأثر التأني والتفكير بهدؤ, فكان يخرج الى خارج مكة, ليقضي أوقات في هدؤ ويتأمل في هذا الذي جاء به محمد بن عبد الله.
عاد الى مكة بعد أن أطمأن الى أمر, وتوجه مباشرة يبحث عن محمد بن عبدالله, والتقى به وهو خارج من البيت الحرام بعد أن طاف وصلى, ولقى من سفهاء قريش مالقى, فحياه, رد عليه التحية بقوله: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. قال الأرقم: رد تحية جميل لم أعهده من قبل, فمن أين جئت به يا أبن عبد المطلب؟. تبسم رسول الله عليه الصلاة والسلام وقال: هذه تحية الإسلام وأدابه أيها الأرقم. قال: وما الإسلام, تناهى الى سمعي أنك تدعو الناس لدين جديد, فهل لك أن تحدثني عنه. فأشار رسول الله عليه الصلاة والسلام الى ركن وقال: هل لك أن تجلس, فإني أرجو أن أنقذك من عذاب النار, وأخذ بيدك الى الفوز بالجنة. لم يرد عليه الارقم بكلمة بل توجه الى حيث أشار رسول الله عليه الصلاة والسلام وجلس, اقترب منه رسول الله عليه الصلاة والسلام وجلس قبالته وأخذ يحدثه بما حدث له في الغار, ويتلو عليه بعض أيات القرآن الكريم, ثم ذكره بما يقوم به قومه وغيرهم من العرب, بصناعة تماثيل أو جلبها من بلاد بعيدة ونصبها حول الكعبة وعبادتها, والبعض يصنع ألهته من التمر وإذا جاع أكلها, فهل يقبل عقل سليم ذلك, وهذا الظلم والفجور الذي ينتشر في كل مكان, هل يرتضيه دين.
استمع الأرقم للحديث بعقله وقلبه, وما أن أنتهى رسول الله من حديثه, حتى قال: وما يفعل من أراد الدخول في هذا الدين. تهلل وجه رسول الله عليه الصلاة والسلام, وقال: يشهد أن لا إله إلا الله وأنني محمد رسول الله بعد أن يغتسل ويتطهر. فقال الأرقم: وأنا مغتسل قبل قليل فقد عدت من الصحراء للتو, فأغتسلت من وعثاء السفر وخرجت أبحث عنك, وأنا أشهد أن لا إله إلا الله, وأنك يامحمد رسول الله, فكبر رسول الله عليه الصلاة والسلام, وبان الفرح في عينيه لإسلام هذا الرجل, فقد كان معروفا عنه شجاعته وميله الى الحق.
ما أن اعلن إسلامه حتى قال: يارسول الله أراك تجتمع بمن أتبعك في الشعاب والأودية لتعلمهم دينهم الذي دخلوا فيه. فأجابه رسول الله عليه الصلاة والسلام قائلا: إنني اخاف عليهم العيون, آلا ترى ما يفعله سادة مكة وكبراءها بمن يعلمون أنه دخل في الإسلام. قال الأرقم: إن لي دار بالصفا كنت قد شيدتها لأقضي فيها بعض الوقت بعيدا عن مهاترات أهل مكة وظلمهم, فأنا رجل لا أطيق الظلم, وقد تجنبت إثارة المشاكل مع قومنا, لهذا كنت أهرب لهذه الدار بين الحين والأخر, وأدعو من أختارهم, وكم شهدت من أيام لنا خوالي مرت ونحن نلهو ونلعب, أما الأن بعد أن هدانا الله لدينه على يديك فإنني اجعل هذه الدار تحت تصرفك لتجتمع فيها بالمسلمين, ويكفي المعاناة التي تكابدها لتجتمع بهم في الأودية والشعاب, ثم أنني قد كنت أستخدم هذه الدار في ما مضى في قضاء أوقات لهو ومجون ومعاقرة الخمر وسماع الغناء من المغنيات اللأئي تنتشر دورهن في مكة, وسهرات ماجنة مع الغواني والمبيت بها حينما أكون في حالة غضب, فالوحدة تقتل الغضب. تبسم رسول الله عليه الصلاة والسلام من شدة صراحته وقال: جزاك الله خيرا, وأعلم أن الإسلام يجب ماقبله, أما الدار فإنني لا أريد أن تتورط في مشاكل مع قريش, فهم كما ترى قد أعلنوا عداءهم لهذا الدين الذي جاء لإعلاء شأنهم وذكرهم, وإنقاذهم من عذاب مقيم. نظر الأرقم الى وجه رسول الله عليه الصلاة والسلام, ثم قال: والذي بعثك بالحق لو حاول أحد الأقتراب من الدار ليمسسك بسؤ لأجعلنه عبرة لمن يعتبر, وقريش تعرف الأرقم حينما يغضب, ثم أنني أرجو أن يكون لي يد عند الله وعندك في نشر هذا الدين. أعجب رسول الله عليه الصلاة والسلام بشجاعة وصدق الأرقم وقال: بارك الله فيك وتقبل منك, وعلى بركة الله نجعل دارك بالصفا ملتقى أهل الإسلام. ظهر البشر والسرور على وجه الأرقم, فأغرورقت عيناه بالدموع وقفز من مكانه وقبل جبين رسول الله وهو يقول: إذن فلنذهب الى الدار لتلقي نظرة عليها, ولتأمرني بما تريد أن أعده فيها. فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: على بركة الله, ثم نهض وتوجه بوجهه ناحية البيت الحرام واخذ يدعو للأرقم, أستأذن الأرقم في أن يسبقه الى داره, وقال وعلى وجهه إبتسامة: إن الدار تحتاج الى أن تتهيأ لإستقبالك يارسول الله, فهي اليوم ليست كما كانت بالأمس.
انطلق الأرقم الى داره, وبقي رسول الله عليه الصلاة والسلام في مكانه, وقد رأه وهو يرد التحية على بعض من قابلهم بالطريق, وكان البعض يقف متتبعا للأرقم بنظره, فأرقم اليوم ليس الأرقم الذي نعرفه, هكذا قال أبوجهل ابن هشام لأمية بن خلف, فرد عليه: لقد تغيرت أمور كثيرة بمكة, قال أبوجهل: هذا من فعل ذاك. وأشار بيده ناحية رسول الله عليه الصلاة والسلام, وأضاف: فإلى متى نسكت عليه, فهو قد أفسد عقول السفهاء, رد أمية بن خلف: عبدي بلال الحبشي الذي كنت أوثره على كل عبيدي, وأعامله معاملة خاصة, لدرجة أنني كنت أستعد لتزويجه, قد تابع محمد, فقد أفسده أبن أبي قحافة, قال أبوجهل: يجب أن لا ندعهم يستمرون في ما يدعون إليه, ويجب أن نحفظ لمكة هيبتها. قال أمية: أعتقد أن ابن عمك الأرقم قد أصابه ما أصاب عبدي بلال. قهقه أبوجهل ضاحكا وقال: أصمت فقد يسمعك وأنت تعرف أنه رجل شديد المراس, لا يتورع عن أذيتك إن سمع منك هذا الكلام, فهو لا يسمح لأحد بأن يتدخل في شئونه, ثم أن الأرقم الذي نعرفه يستحيل أن تؤثر فيه دعوة محمد أو غيره.
السلام عليك يارسول الله ورحمة الله وبركاته, رد رسول الله التحية بمثلها أو بأحسن منها على صديقه وصاحبه أبوبكر الصديق الذي وقف بقربه, فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: يا أبابكر لقد منً الله علينا بدار نلتقي فيها بمن يشرح صدره للإسلام. قال أبوبكر: الحمد لله, وأين هي تلك الدار, فأشار رسول الله بيده الكريمة الى ناحية الصفا, وقال: إنها دار الأرقم بن أبي الأرقم بالصفا, فقال أبوبكر متعجبا: الأرقم بن أبي الأرقم, هذا المتعجرف, الذي لا يتورع عن إيذاء الناس لأبسط الامور. رد عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام: إنك لاتهدي من أحببت, ولكن الله يهدي من يشأ. قال أبوبكر: الحمد لله, ونعم بالله, ولكن هل هو على استعداد لتحمل تبعات ذلك, فقريش كلها ستناصبه العداء, أما من ناحية الدار فإنها مكان مناسب, فهي تقع على طريق القادمين الى مكة والخارجين منها, وهذا يجعل كل متجه إليها في مأمن من الشكوك. قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: نعم, أما الأرقم فهو رجل شجاع, لايخشى في مامضى أحد, ولا يستطيع أحد ان يناقشه فيما يفعل, واليوم هو أقوى بالإسلام. قال أبوبكر: إنه موقف يحسب له, فتحدي قريش بهذه الطريقة لا يصدر إلا عن رجل امتلاء قلبه شجاعة, وهو تحدي لعواصف هوجاء, أعانه الله, ثم أضاف قائلا: يارسول الله أكثر له من الدعاء, فهو بحاجة الى ذلك. قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: اللهم كن عونا له وسند, فهو قد أعان رسولك وسانده. فقال أبوبكر: آمين, واضاف: ومتى ستدخلها يارسول الله. فقال رسول الله وعلى وجهه ابتسامة مشرقة: لقد طلب بعض الوقت ليعد الدار لإستقبالنا, فهي بالأمس ليست مثلها اليوم, فتبسم أبوبكر وقال: إنه رجل شديد ولايعرف المحاباة أو المجاملة, اعانه الله وبارك له فيما قدم, فعمله هذا لا يستطيعه إلا من كان يحمل في صدره قلب شجاع, فهو تحدي مُذهل.
تذييل:
الارقم بن أبي الارقم المخزومي, صحابي جليل أسلم مبكرا, ومنح داره لرسول الله عليه الصلاة والسلام ليجتمع فيها بأصحابه يعلمهم الإسلام ويقرأ عليهم القرآن, وقد هاجر الى المدينة وتوفي بها, كان موقفه تحدي مُذهل لقريش في أوج سطوتها وجبروتها, فقد جعل من داره ملاذا للمسلمين الأوائل, يجتمعون فيها برسولهم قبل الجهر بالدعوة ولم يخشى قريش التي ناصب سادتها وكبراءها الإسلام ورسوله العداء, وتفننوا في تعذيب المسلمين, ولكنهم لم يجرؤوا على مناقشة الأرقم فيما فعل, ولم يتجرأ أحد منهم على الإقتراب من داره التي وهبها لله ورسوله.
هذا الصحابي الجليل غفلت عن ذكره المصادر الاسلامية, ولم ترد إلا نبذة مختصرة عنه لا تتجاوز سطورها عدد أصابع اليد الواحدة في (الإصابة في تمييز الصحابة),
يعرف المسلمون كبيرهم وصغيرهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يجتمع بأصحابه قبل الجهر بالدعوة في دار الأرقم بن أبي الأرقم, وأن المسلمين حينما أتى الأمر بالجهر بالدعوة خرجوا من هذه الدار ليعلنوا للبشرية قاطبة عن انبلاج عصر جديد .
ولكن سيرة الأرقم صاحب هذا الموقف العظيم ظلت مجهولة, فيما عرف المسلمون تفاصيل سيرة حياة الكثير من الشعراء وقطاع الطرق, وركزوا الدراسات على تناحر وتنابز القبائل العربية فيما يُعرف بأيام العرب, وصنعوا من قتلة ومأجورين أبطال.
إن هذه القصة بقدر ماهي محاولة لإنصاف رجل وقف مساند لله ورسوله في أشد الأوقات, هي دعوة لتصحيح التاريخ, وتقديم ماهو مفيد للمسلمين, وتقديم صورة ناصعة مشرقة ومشرفة للعالم.
الهادي خليفة الصويعي /ليبيا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق