قراءة بقلم الناقدة والشاعرة والكاتبة السورية الاستاذة باسمة العوام لومضتي المنشورة يوم 8 مارس 2021 بمناسبة اليوم العالمي للمرأة :
تخليد
احتفوا بها؛ قصموا ظهرها.
عندما تجول في عالم الوميض الذي يرسمه الأستاذ أحمد آيت داود ، تنفتح أمامك الأفكار ، وتتكشف الحروف عن احتمالات ومعان موغلة في الكلمات ، وأبجدية رائعة تليق بكل عنوان وكل حكاية .
وهذه الومضة راقت لي جدا ، فحاولت الإبحار في عالمها .
( الومضة ) :
" تخليد
احتفوا بها ؛ قصموا ظهرها .
=====================================
__ بداية مع العنوان (تخليد) :
تخليد : مصدر خلّد . خلّده : أخلده : أبقاه وأدامه ( جعله خالداً) .
خلّد بالمكان أو إليه : أقام به طويلا .
تخليد ذكرى : إحياؤها لتبقى خالدة .
دار الخلد : دار البقاء ، الآخرة ، الجنة ، الفردوس .
== إذا العنوان( تخليد ) :اسم مصدر عام يثير الكثير من التساؤلات عن صاحب هذا التخليد ، مناسبته ، شكله ، نوعه ، ومن المستهدف وما الغاية منه .
== نلج إلى صدر الومضة : " احتفوا بها "
ينفتح الكلام ! .. المخلّدة إمرأة .
احتفوا بها .. والإحتفاء يعني الترحيب والتكريم ، أو إقامة عيد لذكرى .
فأيّ احتفاء جعلوه لهذه المرأة ؟! وأيّ نوع من النساء هي ؟!
في أيّ موقع هي ؟! ومن الذي يحتفي بها ؟ ولماذا ؟
هل هي قادمة من موقع مسؤولية فيحتفون بقدومها ؟ أم أنّها ميتة ويقيمون لذكراها عيداً ويضعون فوق قبرها الورود ويتباكون على دفئها وحنانها وعطائها وتفانيها ؟!
تساؤلات محيّرة وفضول كبير للكشف عن هويتها خاصة وأننا جميعا نعرف من هي المرأة في مجتمعاتنا ، وكيف ينظر إليها ، وكم قيد تحمل في معصميها وقلبها وعقلها وإرادتها وحياتها .
المرأة المغموسة والمضطهدة في عالم رسم حياتها وزخرفها بقوانينه وتقاليده وأعرافه ؛ وصارت سعادتها وبؤسها وكل أحاسيسها خارجاً عنها تراها فقط في الآخرين المحيطين بها .
ورغم كل ماحققته المرأة من نجاحات على مختلف الأصعدة ، ونضالها المستمر لنيل حقوقها، وأنها استطاعت أن تكون صرحا ومنارة ، أديبة وشاعرة ، ملكة وحاكمة ،محاربة وحكيمة عبر التاريخ وحتى اللحظة ؛ مازالت الهوة بينها وبين الرجل كبيرة .
فهل يحتفون بها لإخماد ثورتها و إسكات صوتها، لقتلها بدم بارد ثمّ مواساتها بابتسامة ووردة وعيد ؟!
== نذهب إلى عجز الومضة فنقرأ : " قصموا ظهرها " .
ياللدهشة المرعبة والنهاية الأليمة !!
قد كان احتفاء بالضحية ، بالمدفونة على قيد الحياة ، بالدفء الغافي فوق ركام الجليد ، بالحضن الذي تنتزع الأشواك منه بأهداب العين ، بالصدر الذي يتسع للكون وبلحظة قد يضيق به الكون ، بيدين متشققتين وتجاعيد رسمتها السنون ، بجسد أهلكه العمل وأعياه التعب ، وروح مبعثرة ومشاعر موؤودة وبالنهاية إنسانة ماعليها غير الطاعة والخضوع والاستسلام أمام رجل خلقها الله من ضلعه لتكون مساوية له ، قريبة من قلبه ؛ لا عبدة لديه ولا سجينة تفكيره ورغباته .
ياله من احتفاء وروده أشواك ، موسيقاه سياط تجلد الروح ،
ورقص كرقص طير مذبوح ، وفراشة تهرب من الظلمة فيحترق جناحاها بلهيب النور وبطاقات تهنئة على وسادة من هشاشة الحقيقة خالية من تبرير الكلمات .
احتفوا بها وكرّموها بذكرى ، بيوم عيد وربما بساعة أو لحظة عيد يسمعونها كلمات " كل عام وأنت بخير " ، ويواسونها بابتسامة وعناق .
يوم للذكرى وعام للنسيان .
يوم للسيادة والاحتفاء ، وعام للطاعة والإهمال .
والمرأة عكس ذلك . هي الحياة بحلوها ومرّها ، بردها ودفئها ، حنانها ورعايتها ، جمالها وروعتها . هي الأرض والسماء ، والهواء والفضاء . هي الأم والأخت والزوحة والحبيبة والابنة و هي رحم الحياة .
فكيف يكون عيدها يوما وذكرى ؟!
عيد المرأة ياسادة ليس يوما وليس احتفالا وليس وردة ولا هدية حتى لو كانت كنوز الأرض .
عيد المرأة احترام واهتمام ووفاء ، حرية وعدل ومساواة .
المرأة عندما يُقصم ظهرها ، ينهار الكون وتنهار سعادة الوجود .
=========================
ومضة رائعة حققت كل مقومات الإبداع ، بدءا من بنائها الأدبي حيث أتت بعنوان اسم مفرد نكرة ، ثم بنيت من جزءين الصدر والعجز يفصل بينهما الفاصل المنقوطة( ؛ ) وكل جزء بدايته فعل ماض ، وانتهت الومضة بالنقطة .
كذلك حققت الومضة المقومات الأساسية من حيث التكثيف الشديد ، الإيحاء ، المفارقة ، والخاتمة المدهشة .
تحية للكاتب وكل التوفيق والنجاح المستمر والإبداع يارب .
__ تنويه :
كان اختيار الكاتب للصورة المرفقة موفقاً جدا للتعبير عما كتب .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق