شجرة الزيتون
_____________
كنا بعيدين جدا عن العمار الذي بدأ يزحف الآن على مزارع الزيتون .كانت خيامنا تربض على السفح وأسفل منه لتشكل في النهاية طوقا متينا حول ثلاثة هناشير تباينة في علوها على سطح الأرض .ثم يتوقف ويحسب الكوتي. .يمسك بغبرة الدخان ويبددها على حريرة البافرا ويغلق حواشيها بطرف لسانه ويظل يرقبها ببصره لبضع ثوان قبل أن يضرم فيها النار ..كانت عادته دائما بعد كل رحلة إلى الشمال أن يتلذذ بسرد الحكايا. .
غير أنه بدأ يهرم زحفت خطوط سوداء على كلا خديه حتى بدة صفحة وجهه خرائط للهم. وتتلاحم تلك الخطوط كلما تسرب الحزن إلى قلبه وهاهي الصورة واضحة الآن .انه يتحدث عن الماضي السحيق بنبرة حائرة ..فقال ..كم تعبنا في زراعة الأشجار ..ظلالها فقط فسحة للفرح وكنا نراقب إستطالة أفرعها والشمس تلمع غصنها الأخضر البراق ..ثم يتوقف من جديد ويخرج زفرة حاره كأنها خرجت من جوف التنور ..وينطلق مرة أخرى ..أما الأن أين هي تلك الأشجار .صارت حطبا ومواقد يتدفأ عليها عبري الليل في السديم الطاغي .أنظروا إلى الهناشير التي كانت محمية بمضاربنا ونحن نراقب من خلالها زحف السنين .حتى وصلنا الآن إلى هذا المآل. لا توجد نقطة زيت واحدة في الخضراء كلها مكان أشجارها صارت بيوتا من الطوب وأبراج من القرميد ومحال تجاريه .نعم نحن نعيش الأن تحت السقوف ولكن كيف نعيش بلا طعام ..
يرمي بعقب السيجار على الأرض ثم يسحب حافة جرده ويغطي وجهه حتى الصباح ...
كنت صغير ولم أكن أدرك ما يرمي إليه. وكنت أقول في نفسي ..لماذا يتكلم وحده عن معاناة وطن ألا يوجد غيره من تستفزه الشجرة المباركه وقد أضحت هباء منثورا ..بعد سنين قادني درب قديم مررت على العمار الذي زحف كما يزحف الجراد على المروج ومزارع الزيتون والرمان. أماكن كلها صارت مجرد بيوت تلاحمت بالجوار وتباعدت بالأرواح .أنفاسها تتكرر من أول بيت إلى آخره .كانت المحال مشرعة على قارعة الطريق جل ما اثارني علب زيت الزيتون التى تتصدر الواجهات الزجاجية وثمنه لا يقدر عليه أحد ..فقلت رحم الله أبي منذ أن ماتت شجرة الزيتون إلتحق بربه قبل أن يرى ثمارها فرجة للعابرين. ..
________________
على غالب الترهوني
بقلمي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق