حليمه تلعب
__________
أول مرة أرى صورتها في كتاب المطالعة في السنه الثانيه ابتدائي .. ترتدي تنورة قصير وقميص أزرق بنصف أكمام. وجوربين من الحرير الأبيض ونعلين أسودين يشدهما حزام بعرض ثلاثة سنتيمترات .لساقين نحلين. وقد إرتدت قبعة من الجلد كشفت عن ظفيرتين .في ذيلهما وردتين حمراوين من كاتان .صورة مثالية لطفلة تحمل حقيبتها وتذهب للمدرسه كل صباح. مجتازة الأزقة الضيقة ذات الأبواب المشرعة . على بعضها كأنها تعيش نفس واحدة طيلة الوقت. وفي الصفحه الرابعه من الكتاب تدخل حليمه على شارع فسيح. يفضي إلى باحة كأنها مكان للصلاة على الشهداء .تحيط بالباحة أعمدة النور التى لازالت تجاهد بضوء خافت. لأن الشمس ستشرق عما قريب .فيما تبدو المحال على وشك الشروع في إستقبال. الزبائن كما بدا في الصفحة الخامسه .إذ أزاح تاجر بدين ظلفتي الباب كاشفا بذلك عن بضاعة كثيره يحتاجها الناس .كنا نتصفح الكتاب ونتابع حليمه التي توغلت في الطريق. وعند كل شارة ضوئية ثمة شرطي بكامل أناقته يفسح الطريق أمام المرأة .خصوصا الأطفال وبالنسبة لي كنت مرتاحا لأن حليمه لن تتعرض لمكروه لأن الشرطه في خدمة الاطفال .
بعد أن توارت حليمه ودخلت زقاق قريب من المدرسة ألتقت مع الحاوي .كان رجل مسن يرتدي ثياب بيضاء وقبعة من السعف . ينفخ في بوق صغير له صوت مثل شارة الالتحام للكشافة المرابطين ..كان الرجل يستقبل الأطفال بالألعاب ويطلق بالونات حمراء وزرقاء. ثم يلحقها بأخريات أقل حجما بألوان بيضاء وخضراء. كانت... حليمه تلعب قبل أن تدخل المدرسة .الحاوي مشى وحليمه مشت وراء الحاوى. حتى توارت عن ناظرينا ولم نعد نراها حتى وصلنا إلى الصفحة السابعة .وكنا نحن نلعب أيضا نذهب للغيط وندلق الماء على الارض نصنع من الطين مدن أسطورية .شوارع مليئة بالخيرات .أناس يتزاحمون في زاوية ما .طفل يبكي وإمرأة تمتشق سلاحا .أسراب نمل تخترق المملكة بقطار طويل وطويل .رأيناه يخرق جبل في المنتصف .سيجنا المملكة بأحجار الوادي.. وصنعنا خرقة خضراء وقلنا أنها الراية ولا شئ غيرها .وفي المساء نعود إلى بيوتنا ونترك المملكة في رعاية الله .أما حليمه فقد ضاعت وراء الحاوي الذي لم ينتبه لها إتخذت ركنا عند مفرق البريد وراحت تبكي .كان الشرطي بالجوار .قال الأستاذ وهو يرفع الكتاب بيده اليمنى لنرى صورته كما بدت في الصفحة التاسعة .الحمد لله هكذا رددنا بصوت واحد .أخذ الشرطي حليمه إلى البيت بسلام .أما أنا حين عدت إلى بيتي مزقت كتاب المطالعة لأنه لا يتكلم عني وأنا ابن القرية .دخلت أمي وهي تضرب كفا بكف .كأنها خططة لزواجي من حليمه. دون أن أدرى وراحت تجمع أوراق الكتاب بين دفتيه. لكنها أجادت حين وضعت صورة الشرطي في الصفحة الأولي وصورة حليمه آخر الكتاب .فادركت أننا لا نتعلم الا ما تريده الدولة ولا نستطيع أن نجتهد .....
________________
على غالب الترهوني
بقلمي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق