الأربعاء، 18 أغسطس 2021

المساءلة لماذا تخشاها الحكومات ؟ بقلم // أنور ساطع أصفري .

 المساءلة لماذا تخشاها الحكومات ؟ .

بقلم الكاتب الاعلامي :

 أنور ساطع أصفري .

******************************************************************************************


علينا أن ندرك أن المجتمعات تُقيم حكومات يتم أختيارها من بين البشر كي

يحكموا دولهم ، وبدون هذه الحكومات لا تسير الأمور . وبالإمكان تقييم هذه

الحكومات من خلال رضى ورفاهية الشعب وتلبية مطالبه .

فماذا سيكون تقييم المواطن لحكومته إذا كان يرضخ ويُعاني من الفقر

وإنعدام الكرامة والحرية ؟ .

كما أن أي حكومة تفشل في الدفاع عن مواطنيها وحمايتهم ، وتفشل في تحقيق مطالبهم ، هي حكومة فاشلة في المقام الأول ، وأي حكومة تتسبب في منع حقوق الانسان والحرية أو حجبها عن مواطنيها هي حكومة مرفوضة بشكلٍ أساسي .

في إعلان إستقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا عام 1776 جاء هذا النص

الرائع "" نحن ممثلو الولايات المتحدة نرى أن هناك حقيقة واضحة لا تحتاج

لأي تفسير ، وهي أن كل البشر قد خُلقوا متساوون ، وأن خالقهم أعطاهم

حقوقاً عند ولادتهم ، وأن هذه الحقوق تشمل الحق في الحياة والحرية والبحث عن السعادة ، وأنه لضمان هذه الحقوق يتم تشكيل حكومة من البشر تستمدّ شرعيتها من موافقة المحكومين "" .

من هنا نرى أن هذا النص العبقري حدّد دور الحكومة ، مع ضمان حق الناس في الحياة والحرية والكرامة والسعادة ، والدفاع عن مواطنيها .

ومن جانب آخر نستطيع أن نقول أن هناك حكومات فاسدة ، وهذه الحكومات والأنظمة الفاسدة لا تخشى فقط المحاسبة أو المساءلة أو النقد ، لكنها تخشى أيضاً حتّى المظاهرات والمعارضات والإضرابات العامة . وكل هذا الخوف يأتي من خلال ملف الفساد المتفشي في الحكومات وفي الأجهزة والمؤسسات التابعة لها ، ومن خلال ملف التهميش والإقصاء .

فلو لم يك هناك فساد وملفّات مظلمة لما كان هذا الخوف موجوداً بالأساس .

بينما الحكومات النزيهة إلى حدٍ ما لا تخشى حتّى المثول أمام القضاء أو

أمام الشاشات الفضائية .

طبعاً نحن هنا نأخذ بعين الإعتبار أيضاً أن هناك حكومات فاسدة لا تخشى لا

النقد ولا المساءلة ولا المحاسبة ، لأنها بالأساس مدعومةٌ من مراكز القوى

في السلطة التي تُغطّي لها كل عيوبها وتبررها ، والجميع هنا مستفيد ،

وتبقى الضحية الأساسية هي الشعب وبالتالي الوطن الذي تُسلب خيراته لتصبّ في جيوب المتسلقين الفاسدين العابثين بأمن وكرامة الوطن والمواطن .

ولكي لا تخشى الحكومات من المساءلة يجب أولاً مكافحة الفساد ، ومن رأس

الهرم ، من الحكومة تحديداً ، لأنها إذا صلُحت فإن كل الأمور ستكون بخير

، وسوف لن يجرؤ أحد على ممارسة الفساد وتجاوز القانون العام والعمل

بسياسة الإقصاء .

كونفوشيوس قال : إذا كنتم عاجزين عن طرد اللصوص من الهيكل ، فعبثاً تبشّرون بمكافحة الفساد .

فما دام المواطن أو الموظّف يُمارس الفساد بتغطيةٍ عليا ، فالفساد سيبقى

متفشّياً ، وسيبقى يُمرّر إلى كل الأوساط الرسمية والشعبية .

وقولاً واحداً إن مكافحة الفساد ليس موضوعاً إنشائياً ولا قصيدة شعر ، أو

أغنية نتغنّى بها ، وإنما مكافحة الفساد هو قرار ، ومسار وإلتزام وتجرّد

وترفّع ، فكيف يُكافح الفساد وهناك قوى سياسية وأمنيّة تتسابق لملء

الكراسي الشاغرة في الدولة بأزلامها بهدفِ تمرير مصالحهم ومكاسبهم

الشخصية ، ومع الأسف وصل هؤلاء إلى أجهزة الرقابة والتفتيش القضائي

والمركزي .

فكيف نبتر الفساد إذا لم نبدأ بإصلاح القضاء وتكريس إستقلاليته ، وإطلاق

يده عبر مجلس القضاء ، وإجراء تشكيلاتٍ قضائية تعتمد على منحى الكفاية

والنزاهة والمسلكية السليمة والنظيفة والصحيحة ، وعدم عرقلة مسارها أو

تأخيره من قبل مراكز أخرى كمراكز القوى في الدولة .

كيف نبتر الفساد إذا لم نعتمد على مناصرة أجهزة الرقابة والتفتيش أمام

السياسيين والحكومة بهدفِ مكافحةِ وبتر الفساد ، وإيقاف كل الصفقات

المشبوهة التي تتم بالتراضي ، والعمل على إعادة دور المواطن الفاعل في

صناعة القرار السياسي والاقتصادي في البلاد .

علينا أن ندرك أن شبكات الفساد في الوطن وفي الأمّة أصبحت أكبر بكثير من شبكات الصرف الصحي ، وهذا شيءٌ مؤسف ومخيف ، ولكن لا بد من معالجة هذا الواقع المرير الذي بسببه تراجعت الأوطان وتدهورت .

ففي هذه المنطقة من العالم الشغل الشاغل للسلطة هو البحث عن كيفية حماية نفسها ووجودها ، وهي أنظمةٌ رخوة ، لا تملك حتّى إرادة سياسة التغيير ، وكلما وُجِهتْ بالنقد والمساءلة يقشعر بدنها ، ويُسرع نخاعها الشوكي المهترىء بردِ فعلٍ إنعكاسي ، ويُصادرون كل شيء ، والرأي الآخر ،

ويُفسدون كل الأمور .

فعلى هكذا أنظمة إن أرادت الخير لنفسها ولشعبها ولوطنها ، وإن أرادت

لنفسها الإستمرار ، عليها أن تُغيّر من قناعاتها ، وأن تتبنّى سياسة

منفتحة على شعوبها ، وتحترم قواعد الديمقراطية بما فيها التعددية

السياسية والتداول السلمي للسلطة ، بدلاً من الفساد والمكاسب والقمع

الجائر للرأي الآخر .

فالتجربة أثبتت وخاصّة في السنوات الأخيرة ، أن هكذا سلوكية حكومية أصبحت مرفوضة ، وتحوّلت إلى أساليب بالية ، والخيار الوحيد هو التغيير ، تغيير سلوكها العدائي والإقصائي ، وتغيير هيمنتها السياسية والتخلّي عن أطماعها وسلطويتها وفسادها ، فالشعوب هدّمت جدار الخوف ، وأصبح بإستطاعتها أن يكون صوتها هادراً ، وبإستطاعتها أن تضحي بأرواحها فداءً لإنتزاع قرارها المسلوب وحريتها المغتصبة ، وكرامتها وحقها في الحياة الكريمة . لتصبح هي من يقرر مصيرها ، وهي التي تفعل وتقرر قرارها السياسي والإقتصادي في البلاد ، ولتصبح هي فاعلاً وليس مفعولاً به ، ولتصبح جارّاً  وليس مجروراً ، ولتصبح جملةً فعلية وليست جملة إسميّة .

لذلك نحن بحاجة ماسّة إلى زرع أفكارنا وأحلامنا في أفئدة الناس ، وإحياء

النفوس ، والإستقواء على الضعف ، ورسم مستقبلنا المشرق بأيدينا معاً

وسوية .

إبراهام لنكولن ، وفي نهاية الحرب الأهلية الأمريكية قال كلمات لا تُنسى

، وأكّد أن " الحكومة التي هي من الشعب وبواسطة الشعب ولصالح الشعب ، لن تفنى مطلقاً " .

فهكذا حكومة لا تخشى ولا تخاف أي شكلٍ من أشكال النقد أو المحاسبة أو

المساءلة . ولكن مع الأسف أن حكوماتنا في هذه المنطقة تخافُ حتّى من

ظلّها . وحتّى حينما تعتذر أو تبرر  فيما يخص تصرفاتها ، فإن هذا

التبرير ما هو إلاّ إستهتاراً بكل الشعب وبكل قيمه وآرائه .

فإصلاح الفساد لا يتم من خلال شخص بمفرده ، بل يتطلب متعاونين ومساعدين وأتباع يُنفّذون التعاليم ويلتزمون بها . وعلى الشعوب المكافحة من أجل مكافحة الفساد وإصلاح حكوماتها أن لا تيأس ، وأن تحوّل هذه المطالب إلى ثقافة عامة يتحلّى بها الشعب وكل مواطن ، ومن خلال إصرارهم وإرادتهم الجازمة لا بد أنهم قادرون على القضاء على الفساد والفاسدين من خلال ثقافتهم وتوحدهم وقوتهم وتعاضدهم .

حينها فقط ستكون حكوماتناممثّلة حقيقية لإرادة الشعب ، وسوف لن تخشى أي مساءلة أو نقدٍ أو محاسبة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق