قراءتي لنص الشاعرة الهايكست المبدعة المتألقة ....
فاديا سلوم Fadia Salloum
حول الشمعة
تنتحر الفراشات
طقوس الموت الجماعي
من السطر الأول كلمة / حول / اسم يدل على الجهات المحيطة بشخص أو بشيء وهو منصوب على الظرفية وتارة يكون مجروراً بمن رأيت من الناس أو غير ذلك حول الشيء
وماذا عن الكلمة الثانية الشمعة ...
الشمعة، وحسب المفهوم الدارج بين أغلب المجتمعات تعني التضحية من أجل الغير ، فمثلاً يقال عن المعلم ـ مربي الأجيال ـ كالشمعة التي تذيب نفسها لتنير الدرب أمام الآخرين
كانت الشمعة مصدر إلهام لكثير من الشعراء وتغزلوا بضوئها الخافت الذي يبعث الهدوء والطمأنينة إلى النفوس
ومايخطر على البال أعياد الميلاد، وإطفاء المصابيح
لحظة الفرح الكبير ، من ثم إطفاء الشموع التي تقدر بعدد سنوات عُمر المحتفل بعيد ميلاده تيمناً بوهج الشمعة قبل لحظة الوداع الأخير من سنة مضت وخبت مثلما تخبو الشموع ...ألا يقولون
" اشعل شمعة بدلاً من أن تلعن الظلام " أليس بهذه الشمعة نبدد أشباح الظلام المرعبة
فماذا تريد الشاعرة أن تقول من خلال السطر الأول/ حول الشمعة /
النص تروازيه ثنائي المشهد رغم عدم وجود أية علامة ترقيم ، واللوحة الخلفية الشمعة المشتعلة وما حولها. ...ياترى ماذا يوجد بعد ذلك ....
أهو احتفال بعيد الميلاد أم طالب يتابع واجبه المدرسيي في ظل انقطاع التيار الكهربائي المستمر ..أم أُمٌّ ترقع ثوب ابنتها الصغيرة .أم شيء آخر يجري حولها ...
لتعلمنا بما لم يكن متوقعاً في الحسبان، وهذه مساحة من اليوغن ..الغموض الذي يضفي نوعاً من الفضول، وبذات الوقت أضاف جمالية التمتع بقراءة النص لتنتقل إلى السطر الثاني من النص
/تنتحر الفراشات /....
أهذا ما تحدثنا عن الشمعة ورقتها، وكأنها عروس ترتدي فستان فرحها، لنتفاجأأخيراً بأنها محرقة لانتحار الفراشات ...هل من المعقول أن تكون الشمعة هي السبب في قتل مخلوقات بريئة في غاية الرقة والجمال ..أم أن في ذلك لغزاً لانتحار الفراشات ...
وهنا مضطرٌ قليلاً لتوضيح سبب ذلك الانتحار بأن اعتمد على نظرية علمية تقول أن أية حزمة ضوئية تصدر اشعاعات حمراء دون أن يراها البشر
ورب سائل يسأل وماعلاقة ذلك بانجذاب الفراشة إلى النار والمصابيح والشموع ..
وهنا يكمن سر انجذاب ذكور الفراشات إلى النور. . هو عشق الفراشات للنور ..فالفراشة الأنثى أيضاً تصدر من تحت بطنها اشعاعات حمراء تشبه تماماً الاشعاعات المنطلقة من الحزم الضوئية المنبثقة من النار .. وسر انجذاب الذكر للأنثى هو ذلك العشق الأبدي المعروف عند جميع الكائنات، فيعتقد ذكر الفراش أن الأنثى موجودة حول الشمعة في انتظاره ، وهنا تكون الصدمة والاحتراق المفاجئ والتحول إلى رماد. بمجرد اصطدامه بمصدر الضوء فينتحر ذكرحشرة الفراش طواعية بالنار ...
وتستمر لعبة التشويق عبر العبور إلى السطر الثالث / طقوس الموت الجماعي / الهستريا الجماعية أو مايسمى بموت خروف بانورج وهي حكاية مشهورة ...
في مشهد غريب على متن سفينةبعرض البحر، وعلى إثر خلاف بين تاجر غنم السيد دندونو مع أحد المسافرين السيد بانورج ..أراد الأخير الانتقام منه، فيشتري الخروف الأكبر بسعر غالٍ وسط سعادة التاجر بالصفقة الرابحة، وقبل أن تكتمل سعادته ..يمسك بانورج زعيم الخراف الذي اشتراه ويجره بقوة إلى طرف السفينة حتى رماه في البحر وما إن رأى الخروف القريب ذلك فرمى بنفسه وكان مصيره الغرق وهكذا تتابعت الخراف القفز من السفينة حتى انتهى القطيع غرقاً ...فهل نعتبر ذلك غريزة التقليد الأعمى أو ربما القفز في المجهول
أوربما كانت طقوس الموت الجماعي نتيجة حتمية للقطيعة المفاجئة بسبب الموت، والذي ينشر الخوف والألم والرعب في جماعة ما؟ فمحاولة التمكن والسيطرة عليه يتحققان بوساطةالشعائر الدينية والذكر الديني المرتبطان بالعالم الماورائي ...وغالباً ماتكون محاولات جمة لاخضاع الموت للحياة، والانتقال سريعاً إلى حياة أفضل من حياته هذه، وربما تتحقق في الماورائيات كل شهواته التي كان يحلم بتحقيقها ...هكذا هو تفكير ومعتقد النائم تحت تأثير التطرف. .
لذلك نرى المتطرف ينسلخ من هويته الشخصية ويبقى جزءاً من كيان يدَّعي بأنه متماسك وقوي ويغرس في المنتمي لهذه الجماعة احتقار الحاضر والتعلق بالبشائر ، وأن يضع حجاباً بينه وبين الحقائق. ..كما يتم شحنه بالعواطف المتفجرة تجعله من المستحيل أن يتعايش سلمياً ومتصالحاً مع ذاته ولايجد أمامه سوى الانتحار، أومانسميه بالموت الجماعي ...
وكم الفرق شاسع بين طقوس موت ذكر الفراش لم ولن يوذي أحداً سوى أنه مات عشقاً راكضاً وراء أنثاه ...
وبين من أراد الأذى للإنسان إينما كان فقط لأنه يختلف عنه بالدين أو بالعرق أو بالطائفة، وهو مانسميه التطرف والارهاب ..
فتعدد الطقوس الخاصة بالموت الجماعي كانت موجودة منذ الأزل وماتزال ...
ومهما كان يبقى للحزن مكان في هذه الطقوس سواء على من مات دون أن يدري سبب موته كذكورالفراشات ..أو بسبب تقليد أعمى كخراف دندونو. ..أو الأسف على ضحايا تفجير ارهابي مِنْ ممن ينتسب إلى تلك المجموعات بسبب الشهرة أو المال أو كبت جنسي قد تتحقق أمانيه هناك ...بعد الموت ....في الجنة كما يزعمون .....
هكذا استطاعت الشاعرة القديرة بسبع كلمات طرح موضوع يمس حياتنا اليومية ويمس حياة أغلب المجتمعات ...
مطبقة شروط الهايكو من التكثيف والتنحي والكيغو الممثل بفصل الربيع حيث تنطلق الفراشات من بتلات الأزهار نحو يومها الوحيد لتموت قبل اتمامه . والمشهدية الرائعة والحزينة بآنٍ واحد ...وتمكنت من خلق المشاعر السلبية والانعزالية ...واالشعور بالأسى عبر السابي والوابي ...
وكشفت لحظة الاستنارة" الساتوري "عبر طقوس الموت الجماعي للفراشات وتحولها إلى رماد ...
إذا النص كان غنياً بتأويلاته وأرجو أن أكون قد توفقت في قراءتي نص الشاعرة فاديا سلوم الرائعة حرفاً وروحاً ..
.....عبدالجابر حبيب .....

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق