الأربعاء، 18 أغسطس 2021

احترام يليق بالمقام بقلم // نفيسة العبدلي

 احترام يليق بالمقام


في احدى أيام الصيف الحارة كنت أسير صحبة ابنتي في شارع يكاد يكون هادئا خاليا إلا من بعض المارة المهرولين في اتجاه منازلهم وآخرون افترشوا تحت بعض الاشجار يستظلون بوارف ظلالها ..الحركة شبه منعدمة وقد قاربت الساعة إلى منتصف النهار حيث استعدت الشمس بجيشها كأحكم ما يكون الاستعداد واحمر بريق عينيها وأرسلت شررا وتوهجا يلفح الوجوه ويزيد من حمرتها..كنت أحث الخطى وأظلل ابنتي وأحاول حمايتها من حين لأخر مخافة ان تتعكر صحتها وانا العائدة بها من عند الطبيب. كنت أسعى إلى حمايتها  والنظر إلى حبات العرق المتسللة من تحت قبعتها فامسحها وادعوها ان تتبع الظل وأن تسرع في خطواتها فالحرارة لا ترحم...وفي طريقنا رأيت رجلا مسنا يمشي بتؤدة فقد أثقل الزمن خطواته..كان يحاول مغالبة الطقس ومقاومة هاجرته  ..اقتربنا منه وسرنا وراءه ولكن طلبت من صغيرتي التريث والتخفيف من السرعة ..سألتني عن السبب وألحت في ذلك مرارا..لكني كنت أجيبها دائما :"لا شيء يا روح ماما..خففي من مشيتك واقتربي لي اكثر وسيري خلفي قليلا حتى تكوني في ظلي.. سنصل إلى المحطة..اكيد سنصل.."نظرت ابنتي إلي باستغراب وانصاعت لطلبي على مضض فهي لم تعد قادرة على مزيد من التحمل أمام قراري المفاجئ..نظرت إلى ذاك الرجل وتأملت ملامحه..انه هو نعم لم تغيره السنون، لولا بعض انحناءة أثقلت حركته وشعره الفاحم صار افتح مع سبلات بيض غزته فزادت من وقاره..عبر الرجل الشارع حينها طلبت من ابنتي أن تسرع ..بهتت ابنتي فأغنيتها عن السؤال وأجبتها بأن ذاك الرجل هو معلم العربية  للسنة الرابعة ابتدائي ..هو لن يذكرني ولكني أذكره وأحترمه وأبارك  فيه أسلوبه الذي جعلني أتميز في اللغة العربية ..هو لن يذكرني ولكني أذكر أنه نعم المربي "ابنتي!! اعلمي أن ذاك الذي يسير أمامنا كان في يوم من الأيام معلمي وانا في هذا اليوم لا أريد أن تسبق خطوتي خطوته...نعم لا أريد أن تسبق خطوتي خطوته"

نفيسة العبدلي 

تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق