مشاوير ...36...
_________________
جلست إلى جوار نعتتني بالحزين. قالت قبل أن تسأل عن أي شيء. يوم ولدتك كان أباك في المدينة .مضى على غيابه خمسة أشهر. حانت اللحظة مع حلول الفجر .لا يوجد ما نعتمد عليه لتهبط الأرض بسلام .تألمت كثيرا .كنت أصرخ من الألم وجدك يذرع الباحة بين الخيام .وضعتني قابلة كانت عندنا منذ الظهيرة وسط الداموس. والداموس ديوان على هيئة مغارة تحت الأرض. صرخت كثيرا ندهت على الأولياء كنت أقول بصوت عال ..يا إبن همال وقد كررت إسمه أكثر من ألف مرة .لم تكن ولادتك سهلة أبدا. .فرح جدك كثيرا بمقدمك سماك عبدالفتاح ..قال إنك فاتحة خير لقابل الأيام. نحر خروفا أدرعا. مع الشروق. ما ارتفعت الشمس إلا مقدار ذراع .حملك بين يديه وصعد الربوة المجاورة أين يرقد ولي عظيم .خاطب الله جهارا ودعى لك بالامنيات الطيبه ..أما أباك هذا لم يراك إلا بعد نصف شهر من ولادتك. .وكلما غفلنا عنك وجدناك تأكل تراب الأرض. .وجدناك تحبو وأنت تصعد الهضبة وأحيانا تنام إلى جوار العتبة المقدسة .
والدي لم يشاركنا الحديث رغم أن امي حاولت إقحامه في الحديث لكنه لم يتكلم ..أخيرا قالت أمي. ها أنت تكبر بسرعة إلا أن العاديات لم يتركنك في حال سبيلك .لم أكن أتوقع أن ارتاد بك مكامن الفقهاء والعرافات. وإن كنت أفعل ذلك بقناعة أم لا .هذا لن يغير من الأمر شيء. لكنني سعيدة الآن لأنك بدأت تتعافى .يوم حملناك إلى عراقة الخرمة كنت بين الحياة والموت ..حمدا لله ..
انتفض والدي فجأة وقد اعتدل في مجلسه ثم أخرج لفافة التبغ .التقط السيجارة واضرم فيها النار .سحب أنفاس متلاحقة قبل أن يسألني. .هل رأيت جدك .هل هو بخير .ألم يقل لك شيء؟ فقلت .رأيته كان يجلس على رصيف المحال المقابلة لمدرسة الجالية الإيطالية. كان ينتظرني مع بضع رجال .سألني عن صحتي وعند وعن امي ..لم يكن متحمس لما قمنا به بشأن الحضرة ..قال هذا شغل الدراويش ..وحين قلت له أن عراقة جميلة اخبرتنا أنني اسبح الآن في جوف ثعبان صار يضحك بشدة حتى داهمه السعال ..وصار والدي يضحك أيضا وهو يقول .جدك على حق الذي يحملك في جوفه .هذا كلام السحرة والمشعوذين ..نحن جميعا لم نتقبل أن عالم بكامله يشاركنا الحياة .هذا العالم لا يجب التعامل معه بمنطق العداء ولن نستفيد شيء من الصدام معه أو الخوف منه .وفي النهاية نحن مستفيدين منه لأننا نرمي بأخطاء وفشلنا عليه. .في داخلنا دائما طاقة الخوف هي تغلب علينا ..فقالت امي الغرافة سرها باتع حين اخبرتنا عن الثعبان أرادت أن تختصر المسافة التى تفصلنا عن النجاة.
_________________
على غالب الترهوني
بقلمي .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق