ضمادات
لطالما سمع أنْ غياب الأمّ لا يعوضه شيءٌ.. أنْ النفوس قد تصنع العجب بأقرب الناس.. لم يصدّق فيصل أيًّا من هذا إلا حين رأى ابن جاره صاحب الخمسة عشر عامًا قد تزوج من فتاةٍ تكبره بعام.. وبعد أشهرٍ فقط وبعد أنْ حبلتْ الشابّة حدثتِ الكارثة.
لسببٍ ما بدأ يضرب زوجته وبدأتْ المشكلات بينهما مما أدى بهما للطلاق.. الوحيد الذي تضرر من هذا الزواج الفاشل هو الطفل القابع في أحشاء أمّه لا يدري بكمّ البؤس الهائل الذي ينتظره.
بعد ولادة الطفل بأيام ألقاه أخواله في بيت أبيه لتبدأ معاناته؛ فبداية الأمر لم يسمّه أحدٌ إلا بعد شهر حيث أطلقوا عليه نبيل كي يتخلصوا من هذا الهمّ، وكان أبوه منهمكًا بلعب القمار مع رفاقه ولا يدري أحيٌّ هو أم ميت، جده أسوء حالًا من أبيه، وصار هذا النبيل همًّا وغمًّا على عمته الصغيرة التي لا تنفك تضربه وهو في القماط إذا تجرأ وبكى، وتطعمه الحليب بطريقةٍ سيئةٍ جدًا لو رآها طبيبٌ لقتلها.
بعد خمسة أشهرٍ من تعاسة نبيل سعى فيصل في إعادة إمّه بعد ما رآه يرجف إنْ سمع صوتًا، ويركل إلى الحائط بقوة إذا ساء مزاج أحد أعمامه فتبين أنّها لا تحلّ لزوجها كونه طلقها ثلاثًا، ولكن الشاب أصرّ على إرجاعها وأعادها من غير فتوى فظنّ فيصل أنّه قد عاد إلى جادة الصواب وسيغير حياته الأسرية نحو الافضل.
تبين لفيصل أنّ جهده ضاع هباءً فبعد أسبوعين طرد الشاب زوجته بعد أنْ ضربها ضربًا مبرحًا.. وترك البيت ليعيش عند عمةٍ له تاركًا نبيل تتقاذفه أرجل أعمامه بالركل وصار الطفل يخاف من أيّ صوتٍ يسمعه فلشدة ما ضُرب يخشى أنْ يكون النداء ممهدًا لصفعةٍ أو ركلةٍ، وظل هكذا إلى أنْ جاوز سبعة أعوامٍ وهو يخاف أنْ ينظر إلى وجه أحدٍ من العائلة وكان يرتجف بشدةٍ حين يناديه أحدٌ، وكان قليل الكلام لا ينطق إلا بكلمه ماما..
عبدالرحمن بن الياس/العراق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق