"الفجر"
بقلم :ماهر اللطيف
كنا في ملهى ليلي بصدد الرقص واللهو وارتكاب المحرمات بشتى أنواعها طيلة ساعات وساعات ولم ننتبه لتسارع عقارب الساعة التي أشارت للمؤذنين بالمناداة عاليا في مصادح الجوامع والمساجد "حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم..." ،فتقاسمنا مع المصلين في هذا الوقت النشاط والاجتهاد فيه: البعض يجتهد في سبيل مرضاة الله والبعض الآخر في سبيل عصيانه وطاعة الشيطان...
لكننا،لم نع بما يدور خارج أسوار هذا المكان حيث كنا في عالم ثاني بعيد كل البعد عن العالم المادي ونحن سكارى، منهكون، مرهقون،نفكر بما بين رجلينا عوض عقولنا، نبحث عن بنات الهوى وامضاء بعض الوقت معهن لنلبي غرائزنا الحيوانية والناس تتوضأ وتكبر وتتوكل علي الله لنيل رضائه وبركاته...
وزادت الموسيقى الصاخبة من "مرضنا" و "هيجاننا" و"مجوننا" إلى أن غرقنا في عرقنا ونحن نقفز ونرقص ونجلس ونقوم ونقوم بكل فعل يبعدنا عن آدميتنا في هذا المكان والناس تؤدي الصلاة جماعة ونحن نؤدي البلاهة والغباء والرداءة جماعة أيضا...
وها إن نمط الموسيقى قد تغير وهدأ ليترك المجال للعشاق حتى يرقصوا ثنائيا ويتبادلوا اللمسات والقبلات وغيرها من الأعمال التي تفقدهم كل عقل وحكمة ورصانة وانسانية، فاضطررنا حينها إلى الرجوع إلى طاولتنا لمراقبة ما يجري حتى تسترجع القاعة صخبها وضجيجها بعد هذا الركن من السهرة.
ملأنا اقداحنا خمرا وشرعنا في تجرعها واعيننا تراقب ركح الرقص الممتلئ بالراقصين من الجنسين، فقال رائد( وهو في الثلاثين من عمره، أعزب وعاطل عن العمل، ينحدر من أسرة متوسطة تتكون من أب وأم وثلاثة أبناء هو اصغرهم) :
- أنظر تلك "الدرة" الحسناء ذات الشعر الاصفر واللباس القصير الذي يظهر ثدييها وفخذيها
- (مالك وهو ابن العشرين، عامل يومي ينتمي إلى أسرة فقيرة، مقاطعا بحماسة) أين هي يا رائد فكلهن حسنوات وفاتنات (يشير إلى احداهن) هي تلك؟ (وينظر إليه حين يشير له برأسه بالنفي ويشير باصبعه إلى المعنية بالأمر)، فعلا إنها جميلة جداً رغم قباحة من معها ووضاعته وبلاهته
- ( أنا مقاطعا وثلاثتنا قهقهة) وكيف عرفت عنه كل هذا ولم تره قبل هذا الوقت؟
-( رائد مستهزئا) انه الحسد والبغض
- (أنا بصوت مرتفع) اذهب وافتكها منه ان كنت شجاعا
- (رائد مواصلا) أرنا اقدامك واتنا بها إلى طاولتنا وساتولي كل المصاريف...
وواصلنا تحفيزه وتشجيعه- وهو ينظر إليها وصديقها ويفرك يديه - إلى أن تركنا كذلك واتجه صوب ساحة الرقص وجري نحو الفتاة وجذبها من يدها بقوة وهو ينظر إلى مرافقها نظرة ثاقبة وهو يصيح :
-تعالي معي بسرعة يا جميلتي
- (مرافقها ساخطا ومبعدا يد مالك عن مرفق صديقته) اتركها يا هذا وابتعد من هنا
وبدآ في الشجار والعراك والناس من حولهما تحاول فك هذا التجمع بشتى الطرق والسبل، حتى استل مالك سكينا كبيرة من تحت ملابسه - خبأها بين قميصه وسرواله - وغرسها في صدر "غريمه" بقوة وشراسة فتدفقت الدماء وبلت بعض الحضور قبل أن يخر المغدور أرضا وتتحول الحلبة من حلبة رقص إلى مسرح جربمة قتل والمصلون يقفلون راجعين إلى بيوتهم بعد أن اتموا أداء صلاة الفجر وجنوا قدرا من الثواب والحسنات وقد جنينا جبالا من الشر والآثام...
فتذكرت حينها ما كان يقوله لي والدي باستمرار كلما قمت بخطئ أو إثم مهما كان حجمه ونوعه "حذار بني من اللسان اذا هدر والجسد اذا غدر والعقل اذا فتر، فما لا يعمل بقدر يأتي بالتعب والكدر" أو "ازرع تحصد" أو "تجنب دعوة المظلوم" وغيرها من المقولات التي لم أكن اهتم بها طوال حياتي ومراحلها وسماعي لهذه العبارات عشرات المرات حتى خفظتها عن ظهر قلب، لكني الآن اقشعر جسدي وخر لتذكرها حتى دمعت العينين وارتعش الجسد وتلعثم اللسان،لكن هيهات، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، ولا ينفع الندم فيما أفسده الدهر وفعلنا الدنيء...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق