الأربعاء، 17 نوفمبر 2021

حب قد لايموت بقلم // عبد العظيم احمد خليل

 حب قد لايموت. 

يقود خالد شاحنته وكعادته في هذا العمل في نقل البصائع من بغداد الى البصرة … في احدى الليالي الشتائية الباردة وبعد ان اخذ منه التعب والارهاق من المسافة التي قادها اليوم… يمني نفسه للوصول الى البيت … ليحتضن دفئ البيت ويسعد بطعام امه اللذيذ… يصل خالد مشارف البصرة … لكن الظلام الدامس مازال هو المهيمن على الشوارع التي تسير فيه الشاحنة…فجاءة تضهر امامه سيدة تلوح له بيدها وتطلب منه التوقف… استغرب خالد بشده من تواحد سيده وحيده في هذه المنطقة المعزولة وفي هذا الظلام الدامس… لم يكن لخالد من الوقت الكثير للتفكير … فقرر التوقف … اقتربت منه السيده ودون ان تستأذن صعدت الشاحنه لتجلس بجانبه… فتح خالد الاضاءة الداخلية للشاحنه واستدار بوجهه نحوها … هنا كانت المفاجئة… سيدة شابه وجميلة جدا… وكأنها كسرت سواد الليل الداكن ليتنفس ضوء النهار من جديد… فراح خالد ينظر اليها بهدوء وقد تحير بعاطفته الني لفته من كل جانب… تعلق بعنقها ودون ان يلمسها… واستنشق انفاسها ودون ان يقترب منها… فضل عاجزا امامها دون حراك حتى بادرته بالكلام… الله يستر عليك …اني دخيله عندك… اني هربانه من زوجي بس والله اني مظلومة… زوجك!! ليش انت متزوجة؟ سكت خالد لبرهة ثم اكمل متنهدا… لك امان الله ورسوله … لاتخافي مني… فبداءت السيدة بسرد قصتها مع زوجها الذي اثر ان يصدق امه واخواته وكذلك اخيه الاصغر الذي حاول الاعتداء عليها بغياب زوجها… لم يعطيها فرصة بان تدافع عن نفسها… كان زوجها عسكريا ولاياتي الا بالاجازات الشهرية ولعدة ايام فقط… فهذا واقع حال الرجال في العراق خلال الحرب العراقية الايرانية… كانت السيدة واسمها مِعاد لايتجاوز عمرها العشرين سنة… وبعد زواجها عاشت مع زوجها في بيت اهله… وكانت سعيده مع زوجها ولاتوجد اي مشاكل بينهم…بل كانت سعيده وهي تعد الايام لعودة زوجها والذي تعودت عليه…اصبحت مِعاد حمامة الدار… تنشر الجمال والسعادة في كل اركانه…وصل خالد بيته لكن هذه المرة لم يكن لوحده بل مع مِعاد التي استنجدت به من هول والم ماحل بها…بعد عدة طرقات على الباب الحديدية الخارجية تفتح لهم ام خالد الباب ولشدة ظلام الليل وصوت المطر ينقر وينخر في كل مكان مما صعب على الام ان تنتبه بان خالد لم بكن وحده… يدخل خالد البيت بعد ان سلم على امه بحرارة ثم سحب خلفه مِعاد لتدخل البيت تاركاً امه بعبىء الاستغراب والذهول… لم تنتظر الام كثيرا حين رحبت بحرارة بالضيفة الجميلة بعد ان دخلو غرفة الاستقبال والتي تتوسطها مدفئة نفطية قديمة لكنها مازالت اجمل شيء في الغرفة لما تعطيه من شعور في الدفىء والراحة… انتفضت الام وقبل ان تتكلم لتعد الطعام وكما توقع خالد صينية معدنية تحتوي على عدد من الاطباق التي اعتاد العراقيين عليها وقت الشتاء…من شوربة الدجاج الساخنه والباذنجان والطماطة المقلية اضافة الى الصمون العراقي مع التمر والابن ولا اريد ان انسى ايضا صحن اللوبيا المسلوقة … تضع الام الصينية بالقرب من المدفئة فقالت وباللهجة العراقية الحنونه: يمة بنيتي تعالي اكلي … هذا بيتج… وحنا اهلج وناسج مادام انت جايه ويا خالد… ابني رجال ومتربي وماتطلع منه العيبة… تعالي اكلي وبعدين انسولف… اطمأنت مِيعاد بعد ان عانقها كلام ام خالد المفعم بالدفئ والطمأنينة الذي تسترد منه الانفاس… لم تكن مِعاد تعرف ان وفاة امها سيغير حياتها حين انفردت مع زوجة ابيها وهي في العاشرة من عمرها … فلم يتعطف عليها ابيها بما تمليه عليه زوجته من الاكاديب… اصبحت مِعاد مجرد خادمة في هذا البيت الكبير ومربية لاخواتها الصغار من زوجة ابيها… عاشت مِعاد في جزع والم لكن الاب مازال لايعرف او لم يرد ان يعرف حقيقة ماتعاني منه ابنته اثناء غيابه…وذات يوم وبلهجة لاتقبل المراجعه وافق الاب على العريس الذي اختارته لها زوجة ابيها … مع ذلك لم تفكر بالرفض …املا في ان تنتهي محنتها والتي بدت كطريق مظلم طويل لا نور يقطع نهايته يوما ما… بكت مِيعاد بشدة وهي تروي قصتها لخالد وامه وقد افصح وجه ميعاد عن كمية الم وسوء حظ غير اعتيادية حتى قابلت خالد…تحرك خالد في اليوم الثاني متوجها لمقابلة والد مِعاد… فبعد عدة مناورات بين شوارع وازقة البصرة وصل الى بيت ميعاد… يركن سيارته امام البيت الذي يطابق اغلب الوصف الذي فهمه من ميعاد…يخرج نحو الباب الخارجي للدار رجل ستيني طويل القامة ويرتدي الدشداشة العربية وكانه كان ينتظر طارق على الباب… بادره خالد بالسلام وقال له : انت ابو ميعاد ؟ واستمر خالد بالكلام : عمي بنتك بخير وموجده مع امي … تفضل اصعد السيارة وساشرح لك بالطريق… وبدون تردد او تفكير يصعد السيارة على امل ان يجد ابنته التي عرف قصتها من زوجها بعد قام بالحط من شأنها والتشكيك بشرفها … لا بل وطلقها وهو واقف عند الباب الخارجي لمنزل ميعاد في الليله الماضية… عاش الاب لحضات حزينه وشعر بالم جارح وسخطا متحجرا على ابنتهِ مِعاد …فمالت لنفسه فكرة قتلها والتخلص من العار الذي جاءتهم به… يصل خالد والاب البيت نفسه الذي تتواجد فيه ام خالد وميعاد… لكن كلام خالد معه في الطريق كان قد هدئ من روعه …وقرر الاستماع لابنته قبل التسليم بالكامل لرواية زوجها او بالاحرى طليقها… مضت الايام ومازالت ميعاد تذكر خالد بالليلة الشتائية الباردة وام خالد تجلس امامهم تهز براسها مبتسمة وهي تحتضن حفيدتها ابنة خالد وميعاد. … 

د. عبد العظيم احمد خليل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق