✍️ فادي زهران
( الضّيفان )
لم أكن أريدك أنت .. لكن نصيبك قد أصابك .. هكذا قال الضيف الذي أصبح وحشاً مفزعاً !..
كان هناك رجل يدعى أبو جابر في الخمسينات من عمره .. يعيش في قرية نائية .. متوسط الحالة المادية .. لديه بقالة صغيرة في أحد النواحي .. لديه ولدان شابان : جابر و قاسم .. حيث كانا متقاربين في السّن في العشرينات من عمريهما .. كان جابر يعمل مع والده في البقالة و كان في مرات كثيرة يتأخّر و يبقى وحده في البقالة حتى ساعات اللّيل المتأخّرة حتى يرتّب البضاعة و ينظّف المحل .. ف أبو جابر رجل مريض لديه ضعف شديد في عضلة القلب .. بينما قاسم يعمل في رعي الغنم لأحد الأشخاص الأثرياء في القرية .. و كانت أم جابر امرأة في الأربعينات من عمرها .. و هي سيّدة بسيطة تقضي وقتها في أعمال البيت بين تنظيف و ترتيب المنزل و عجن الخبز و خبزه و حلب البقرة الوحيدة التي لديهم .. و كان أبو جابر يساعد زوجته عندما يعود إلى البيت بعد العصر ..
في أحد الأيام كان أبو جابر و ابنه في البقالة .. أبو جابر جالس على مقعد خشبي بجانب عتبة بقالته يشرب الشاي .. و كان جابر منشغلاً ببيع بعض السكر و البرغل و أشياء أخرى لأحد الزبائن .. جاء رجل مختلف الملبس .. غريب المنظر .. نحيل جداً .. و طويل ..كأنّه من العصور الوسطى ! .. مرحباً يا عم .. أريد أن أسأل عن أخي .. فقد كنّا سويّاً في هذه المنطقة و بعدها افترقنا .. هكذا قال ..
أجابه أبو جابر : أهلاً بك .. لم أرَ أحداً مرّ من هنا .. لكن عذراً على التدخل .. من أين أنت و ما الذي جاء بك إلى قريتنا ؟
أجاب الرجل : جئت أنا و أخي إلى هذه القرية بعدما سمعنا عن أحد الحكماء يدعى يعقوب يسكن في قريتكم و قد سمعنا أنه يستطيع مداواة والدتنا المريضة بمرضها الخطير عن طريق أحد الأدوية التي يقوم ب إعدادها بالأعشاب و الخلطات السريّة .. لكن عندما وصلت مع أخي إلى القرية رأينا أن نفترق لتكون فرصة إيجاد الحكيم أسرع ..
عندها أخبره أبو جابر أن الحكيم يعقوب ذهب إلى إحدى القرى البعيدة لزيارة ابنته و لن يعود قبل يومين على الأقل .. ظهرت ملامح الخيبة و الاستياء على وجه ذلك الرجل و قال : يا لحظي العاثر ! قضيت يومين أنا و أخي حتى نصل إلى قريتكم و بعدها اختفى أخي و لم أجد الحكيم .. كما أن الطعام الذي كان معي قد نفد !! ماذا أفعل الان ؟ ردّ أبو جابر : هوّن عليك يا بنيّ . أعذرني مرة ثانية ، أريد أن أسألك من أي قرية أنت بالتحديد ؟ عندها أجابه الرجل ب أنه من قرية اسمها قرية الأرض المهجورة و قد سميّت بذلك الاسم لكثرة البيوت المهجورة فيها .. فقد تركها أصحابها لأن أرضها قاحلة لا تصلح للزراعة .. و لجفاف النهر الموجود فيها .. و أضاف : قريتنا مهجورة و الدماء مهدورة وفي الكهف تتّضح الصورة .. لم يدقّق كثيراً أبو جابر في العبارة الأخيرة .. لكنه استغرب جداً فهو رجل كان يتنقل كثيراً بين القرى و لم يسمع بهذه القرية من قبل و قال : حسناً يا بنيّ . لا عليك .. توقف عن القلق .. سنقف معك حتى تجد أخيك و تلتقون مع الحكيم يعقوب ..
طلب من ابنه جابر أن يرافق الرجل في البحث عن أخيه في نواحي القرية .. دارا القرية و نواحيها لمدة تزيد عن ثلاث ساعات لكنهما عادا خاليا الوفاض .. أخبره أبو جابر أنه سيكون ضيفه و سيستقبله في بيته .. كان جابر ك عادته سيبقى في البقالة حتى الليل .. عندها طلب منه الضيف أن يذهب معه لكي يساعده في البقالة و بعدها يعودان معاً .. رحّب جابر بالاقتراح و وافق و ذهبا سوياً .. أثناء ذلك الوقت عاد قاسم إلى البيت و كان والده موجوداً .. كان قاسم معه شخص غريب يرتدي ملابس قديمة تبدو من العصور الوسطى .. رحّب أبو جابر بالضيف الشاب .. أخبرهم أنه كان قادماً إلى القرية مع أخيه للبحث عن الحكيم يعقوب و لكنهما افترقا .. عندها أيقن أبو جابر أنه شقيق الشخص الذي قابله .. و طلب منه أن يبقى عندهم بهدف جمعه ب أخيه .. أراد قاسم أن يخبر أبيه أكثر عن ذلك الرجل الذي وجده .. ف اسئذنا قليلاً من الضيف و تحدّثا على انفراد .. قال قاسم : كنت أرعى الغنم في منطقة منعزلة و إذا بي أرى هذا الشخص و قد كانت الغنم تهرب كلّما اقترب .. و كانت عيونه تلمع حتى في وضح النهار .. بعدها أخبرني أنه من قرية اسمها الأرض المهجورة .. و أضاف يا أبي عبارة استغربت منها و لم أفهمها و هي : قريتنا هي الأرض المهجورة و الدماء مهدورة و في الكهف تتضح الصورة .. عندها استهجن أبو جابر الأمر لأنه سمع نفس العبارة من أخيه الضيف الأول ..
قال أبو جابر : ألم تمرّ على أخيك في البقالة لتستعجله للقدوم ؟ ردّ قاسم : كنت أظن أن جابراً قد عاد الى البيت . فالبقالة مغلقة و لا أحد في الطريق كلّه .. عندها تعجّب أبو جابر و قال : كيف ذلك ؟! أين ذهب جابر و الضيف الأول ؟!
انتظروا قليلاً بعدها ذهبوا جميعاً إلى البقالة و وجدوا فعلاً أن البقالة مغلقة ب احكام .. بحثوا في الطريق .. لا أحد هناك .. الدهشة في تصاعد .. القلق بات سيّد الموقف .. قال قاسم : هوّن عليك يا أبي سأعود إلى البيت لعلي أجدهما قد عادا من طريق آخر .. بقي أبو جابر و الضيف الآخر ينتظران عند البقالة لعلّهما يجدان أحداً .. كان قاسم قد عاد إلى البيت .. في تلك الأثناء بينما أبو جابر و الضيف ينتظران في الطريق .. قال الضيف : يا عم لا تخف .. ف قريتكم غير مهجورة و الدماء ليست مهدورة و لن نحتاج هنا لكهف حتى تتضح الصورة !!
فور سماعه هذا الكلام انتفض أبو جابر و قال : ماذا تهذي أنت ؟! أيّ قرية مهجورة و أي دماء مهدورة و أي صورة ؟!
عندها كان قاسم قد عاد و قطع حديثهم و أخبرهم أنه لا أحد في البيت غير أمه .. ازدادت حالة الأب المسكين سوءاً .. و خشي قاسم على أبيه ف عضلة قلبه ضعيفة .. و أخذه إلى البيت و اصطحب ضيفه معه .. الغريب أن الضيف عرف بعدها أن أخيه أيضاً اختفى مع جابر لكنّه لم يتأثر قط .. ظلّ قاسم مع أبيه حتى حاول تهدئته و أعطاه الدواء و تمكّن من إقناعه أنه سيبحث عنه من أول النهار .. و الضيف يكتفي بالمشاهدة دون أي كلمة .. حتى نام أبو جابر .. و ذهب قاسم لمحاولة تهدئة والدته و أقسم لها أنه سيبحث عنه و أعطاها دواء الضغط و ترجّاها أن تخلد للنوم حتى نامت بصعوبة .. عاد إلى غرفته حيث كان الضيف .. بالرغم من مصابهم الجلل إلا أنه قام ب إحضار العشاء للضيف و أحضر الفواكه .. لكن الضيف رفض أن ياكل .. استغرب قاسم .. لكنه ظنّ أنه لا يحب الأكل في الليل فتركه على راحته .. استأذنه و ذهب لينام في مكانه .. كان الضيف محدقاً في السّقف .. حتى بعد إطفاء السّراج بقيت عيونه تلمع و يخرج الشرار منها .. استيقظ الجميع في ساعات الفجر الأولى .. ك عادة أهل القرية .. أرادت الأم أن تحضر الفطور للعائلة و الضيف .. جهّزت الخبز .. أحضرت الشاي .. تركتهم ليأكلوا على راحتهم .. لكن الضيف رفض أن يأكل بحجّة أنه لا يحب أن يأكل في الصباح الباكر .. ذهبت لتحلب البقرة .. لتجد لونها قد تحوّل إلى الأزرق .. و عيونها حمراء ك الدم .. و كانت ضخمة كالوحش المخيف .. عندها أصيبت أم جابر بالرعب الشديد .. و صرخت .. ليأتي الجميع و يراها و يشاهد ماذا حلّ بالبقرة .. كانت البقرة تستعد للهجوم عليهم لكنهم في الوقت المناسب اضطرّوا لقتلها .. شعروا بالذعر بعدها .. ما الذي حدث للبقرة ؟! هكذا تساءلوا .. و عادوا للتفكير بما حلّ ب جابر و الضيف الأول .. عندها قال الضيف الثاني : أتوقع أن يكونا قد ذهبا إلى ذلك الكهف .. رد أبو جابر : أي كهف .. قال الضيف : في ذلك الكهف يحقّق المرء مقصده و تتضح الصورة و يصل الإنسان إلى مبتغاه .. بعدها طلب أبو جابر من قاسم أن يبقى مع والدته و أخبره أنه سيصطحب الضيف للذهاب للبحث عن جابر و الضيف الأول .. حاول قاسم أن يثني أبيه عن هذه الفكرة لكن الوالد أصرّ على قراره خوفاً على أم جابر .. فهو يريد أن يبقى ابنه الشاب للدفاع عن أمه إذا حصل شيء طارئ .. حاول الضيف مراراً و تكراراً أن يقنعهم أن يصطحب قاسم لأنه يستطيع الحركة أسرع .. لكن أبو جابر أصر أن يذهب هو .. ودّع أبو جابر عائلته و ذهب برفقة الضيف .. كان الطريق طويلاً و متعباً .. أبو جابر يلهث كثيراً .. و كان يجلس ليرتاح دائماً .. وصلوا إلى منطقة منعزلة بعيدة جداً عن القرية .. اقترب الضيف من أبي جابر و شمّ رائحته .. بعدها تحوّل بسرعة فائقة إلى وحش مروّع ضخم لونه أزرق بعيون حمراء مخيفة يخرج منها الشرار و قام بالانقضاض عليه .. و كان لعابه يسيل مشتاقاً إلى وجبة دسمة .. ليخاف أبو جابر بشدّة .. قال له الوحش : لم تكن أنت المقصود .. لم أكن أريدك أنت .. كنّا نريد قاسم بدلاً منك .. فهو شاب في صحته و ما زال دمه صافياً و هو ما نحتاجه أمّا أنت ف كبير سنّك و قلبك ضعيف .. لكن نصيبك قد أصابك .. عندها اندهش أبو جابر و قال : من تقصد ب كنّا ؟! أجابه الضيف الذي صار وحشاً : أنا و أخي .. ف نحن من قرية الأرض المهجورة .. و أصبحت الدماء مهدورة حتى نتمكن من البقاء على قيد الحياة .. و في كهفنا تتضح الصورة .. لم يفهم أبو جابر كلامه .. قام الوحش بحمله بكل وحشية و غلظة .. و أنفاسه ساخنة ك التنين .. كان أبو جابر ضعيفاً هزيلاً جداً و كان يضع دائماً يده على قلبه .. كان الطريق شاقّاً و طويلاً .. لكن خطوات الوحش كانت طويلة و سريعة .. مما جعله يصل إلى الكهف بسرعة ..
كان الكهف واسعاً جداً .. يحتوي على كثير من الأقسام .. كأنه سوق كبير .. ف فيه : مكان للجلود .. و فيه مكان للأطراف .. و أيضاً للعيون .. و رابع للقلوب .. و خامس يحتوي خزان كبير زجاجي فيه كثير من الدماء .. عندها ذهل أبو جابر و شعر بالرعب الشديد .. فجأة سمع صوت اثنين من الأشخاص .. أحدهم يقول : أرجوك لا تؤذني . ف أنا أردت مساعدتك . كنت أبحث معك عن أخيك . و الأخر يرد : سامحني . لن أدعك تتألم كثيراً . ستنتهي الإجراءات بسرعة .. و سيأخذ كلّ مسؤول قسم نصيبه من جسدك !!
عندا عرف صوت ابنه .. و صرخ بصوت مرتفع : أين أنت يا جابر ؟ رُد علي يا بنيّ .. عندها اجتمع الجميع : أبو جابر و جابر و الضيفان ..
قال الضيف الأول : أهلا بالعم . اهلا ب أبي جابر .. لقد أنرت كهفنا الكبير .. لكننا لم نكن نريدك أنت ..
أراد جابر معانقة والده لكن الضيف الثاني الذي صار وحشاً منعه و لكمه على وجهه ..
قال أبو جابر بغضب شديد : أخبراني ما الذي يحدث ؟ من أنتما؟ و ماذا تريدان منّا ؟
طلب الضيف الأول من أخيه أن يعود إلى شكله و طبيعته كالبشر . و قال : كنّا أشخاصاً عاديين . نسكن في قرية هادئة . نحب بعضنا البعض . حتى جاءنا الهلاك ! استيقظنا ذات يوم على أصوات مرعبة .. نساء القرية تصرخ .. و الأشجار تقطع .. و النهر قد جفّ .. و الأرض قد بارت . و الخضار و الفواكه قد اسودّت و فسدت و المواشي قد تحوّلت إلى وحوش .. و انتشر المرض مع الهواء .. و لم نعرف السبب .. فمات جميع أهل القرية و لم يبقى غير عائلتنا لأننا كنّا نقيم أصلا ً في بيت متواضع على أطراف بعيدة عن هذه القرية بجانب هذا الكهف .. حتى والدينا لم يسلما من المرض ف ماتا .. كنت أنا و أخي نكاد أن نموت حتى استطعنا الهروب إلى إحدى المناطق النائية .. لنلتقي بالحكيم يعقوب الذي كان يداوي بعض الأشخاص ف طلبنا مساعدته مقابل خدمة يطلبها منّا لاحقاً .. عندها أعطانا خلطة سرية أنقذتنا من الموت لكنها أكسبتنا لعنة و جينات تجعلنا نتصرف ك الوحوش .. مما جعلنا نعود إلى القرية التي أضحت مهجورة .. و جعلنا الدماء مهدورة لنستولي على أجساد الموتى و مَن نجده من الأحياء حتى نضمن البقاء على قيد الحياة .. و في كهفنا تتضح الصورة و ينكشف كل شيء و نعدّ بطاقة مفصّلة عن كلّ شخص يدخل كهفنا و نرحّب به أيّما ترحيب ! ..
عندها قرّرنا توسيع نطاق البحث عن الأشخاص و فكّرنا بتلك الحيلة حتى نسحب جابر و قاسم و نجرّهما إلى الكهف لنستفيد من دمائهما الصافية ف هما ما زالا في ريعان شبابهما و قد يفيدانا كثيراً .. كما أن بقرتك تأثّرت و تحوّلت إلى وحش بعد أن هاجمها أخي و نقل اللعنة إليها ..
صعق أبو جابر مما سمعه .. و قال : خذوني أنا لكن أتركوا جابر .. و ترجاهما كثيراً .. كان الأخوان لديهما رأي أخر .. ف قاما بالتحوّل إلى وحشين كبيرين و هاجما جابر و أبيه .. حاولا المقاومة لكنهما قتلاهما بكل لا مبالاة أو مشاعر .. و أعدّا لهما بطاقتين مفصّلتين فيها بياناتهما و وزّعا جسديهما على كل قسم من الأقسام ..و قالا بعدها : كن سعيداً يا عم . ف ستعود عائلتك مجتمعة في هذا الكهف و ستندمج أجزاؤكم ..
عادا إلى قرية أبي جابر و أبلغا قاسم و والدته أنهما قد وجدا جابر و أنّ أبا جابر يتعالج في قريتهما .. أخذ قاسم والدته معه .. ليأخذاهما إلى الكهف و يريهما ما فعلا ب أبي جابر و جابر و يقومان بقتلهما بنفس الطريقة و يسجّلان لهما بطاقتين مفصّلتين و يوزّعان جسديهما على الأقسام .. و يتبيّن بعدها أن الحكيم يعقوب متعاون معهما في كلّ شيء و هو الذي صنع هذا الكهف ليقوم بتجاربه على أجساد الناس و هو الذي دلّهما على عائلة أبي جابر .. بسبب مشاكل سابقة حدثت بينهم .. و هو المسؤول أيضاً عن تخريب قرية الأرض المهجورة ب خلطاته السريّة السحرية تلبية لرغبة عائلة الضيفين الذين تبيّن أنهم جميعاً على قيد الحياة و كانوا منبوذين و منفيين من أهل القرية بسبب عيب خلقي قد أصابهم و هما مَن طلبا من الحكيم أن يعطيهما خلطة حتى يصبحا بقوة الوحوش الضارية و يتمكّنا من مهاجمة الناس .. لتبقى قريتهم مهجورة و الدماء مهدورة و في الكهف تتضح الصورة !!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق