الأربعاء، 19 أغسطس 2020

فطومة بقلم // عبد الحق الناصري

* قصة قصيرة

* فَطُّومة

    كان أحمد المنحدِر حديثاً من إحدى القرى الجبلية صحبة زوجته وأمه وأخواته الثلاثة، رجلا ثلاثينياً وسيماً هادئاً وسادجاً، يخرج كل صباح قاصدا سوق الحي المتواضع المبني بالطوب والقصدير، يضع سلة البيض البلدي أمامه في انتظار الزبائن، ويقي رأسه بمظلة من حر الصيف.
     زوجته فطومة التي تبدو في عقدها الثاني، امرأة جميلة ذكية، وهي قريبته من جهة أمه وتحضى بحبها مثل بناتها.
    تتعرف فطومة على جارتها عائشة المرأة الشقراء الإجتماعية بطبعها، وتبث إليها أسرارها قرب دكان الحي، بأنها تزوجت ابن خالتها حديثاً وهي زوجته الثالثة بعد زوجتين تم طلاقها - يقولون- لِعُقمهما... أمه تقول له إن نصف بنات اليوم عقيمات ! وأخشى أن أكون أنا منهن...تبتسم فطومة في توجس، وكأنما تطلب مساعدة. 
    تَدبَّرت عائشة الأمر في ابتسامة مصطنعة، وأجابت جارتَها فطومة في استهزاء خفي، إذن ستكونين  طليقتَه الثالثة قريباً إذا لم تتداركي الموقف ، غالباً سيكون العيبُ في زوجك -ابنِ أمه- وليس فيمن تزوجهن ثم طلقهن.
    تُحضِر عائشة إلى فطومة بعض العقاقير وتحثها على إقناع زوجها أحمد بتناول هذه العقاقير المُجرَّبة عند العشابين المَهَرة لعلها تنفعه.
     داهمَت فطومة أعراض الحمل، وعمَّت البهجة والسرور أحمد وأمه وأخواته.
    قصدت فطومة أقرب طبيبة للنساء والتوليد، وجدت قاعة الانتظار عامرة بالنساء المُراجِعات، أجرت الكشف... وهي تنتظر النتيجة تسرح بخيالها:
- هل أنا حامل حقاً؟
- هل أنا في الحُلم أم في الواقع؟
-أحمد يشك أنني حامل... 
    نادتها موظفة الاستقبال وسلمتها ظرفاً يحمل النتيجة وهي تخاطبها : - الحمل كاذب، مع وصية بمراجعة طبيب الأمراض الباطنية.
تصاب فطومة بشبه هستيريا وتصرخ :
-  مستحيل...مستحيل 
- سأراجع طبيبا آخر الآن، اليوم قبل الغد... 
    كل النساء في قاعة الانتظار خيم عليهن السكون الملفع بالحزن والشفقة من حالها.
    غادرت فطومة شبه باكية إلى أقرب عيادة وأجرت الفحص، ومرت لحظات انتظار النتيجة وكأنها سنوات.
    يناديها الطبيب بنفسه إلى مكتبه
- هل أنت فطومة أم فاطمة؟
- بشفتين ترتعشان؛ أنا فطومة يا سيدي.
- لقد وصلَتني الآن مكالمة من عيادة طبيبةٍ تعتذر لكِ عن خطإ جسيم.
   موظفة الاستقبال خلطت بين اسمك واسم مُراجِعة ثانية اسمها فاطمة وهي المعنية بتقرير الحمل الكاذب.
- أنتِ حامل في شهرك الرابع بتوأم يا سيدتي، (مبروك مسعود). 

   عبد الحق الناصري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق