. دراسةٌ متواضعةٌ لقصةٍ قصيرةٍ جدًا، حائزَتْ على المركزِ الأول في مسابقة (سلسبيل القصص) الموسم الرابع/تشرين الأول ٢٠٢٠.
الكاتبةُ:- ثريا الشمام/سوريا
العنوانُ:- ( عُرْبان )
التعليقُ:- صاحب ساچت/العراق
المصدرُ:- ملتقى ادباء الشرق
النَّصُّ:-
( عُرْبانٌ )
تَزاحَمُوا إزَاءَ مَعْبدِ ٱلقَرابِينَ غَربًا،
كُلٌّ قَدَّمَ اِسْماعِيلَهُ ذَبِيحًا..
تَقَبَّلَتِ ٱلآلِهَةُ...
مَنَحَتْهُم شهادةَ مُسَيْلَمَةَ لِلْنِّبُوَّةِ.
(ثريا الشمام/سوريا)
لفتةٌ تأريخيةٌ:-
الشعبُ العربيُّ فرعٌ من الشعوبِ الساميَّةِ، التي يعودُ نسبُها إلى "سام بن نوح".. و هم:-
* العربُ و الأكديون في بابل القديمة،
و الآشوريون و الكنعانيون.
* القبائلُ الآرامية بما فيهم العبرانيون.
* جزءٌ كبيرٌ من سكان الحبشة/أثيوبيا.
و يعودُ جَمْعُ هذه الشعوب، بأصلٍ واحدٍ، هو.. مصطلحُ "السامية" إلى اكتشافِ:-
أن لغاتهم مرتبطةٌ ببعض، و مُسْتَمَدَّةٌ من لغةٍ ساميةٍ مشتركةٍ.
و هم الرعاةُ الرُّحلُ، استقرَّ بعضهم في القرى قبل ٢٥٠٠ سنة قبل الميلاد.
سكنَ الشعبُ العربيُّ منهم في جميع غربِ قارة آسيا ، والشريط الشمالي لقارة أفريقيا .
لغةً:- و هو مايَهمُّنا هنا من معنًى:-
عَرَبَ.. خَلُصَ ، أبانَ، أفصحَ...
عَرَّبَ الكلامَ.. أوضحهُ وَ بيّنهُ...
العَرَبُ:- مَنْ نَزلَ الريفَ و استوطن مدنًا و قُرًى .
الأعْرابُ:- مَنْ نَزلَ الباديةَ، أو جاورَ الباديةَ.
اصطلاحًا:-
الجذرُ (ع ر ب) يعني.. التمامُ و الكمالُ و الخلو مِن النقصِ و العيبِ، كما وصفَ الله تعالى بها القرآن الكريم في كلمة (عربي)! ولا علاقةَ لها بالعرب كقومية (قرآنًا عربيًا). و كذلك..
(فجعلناهنَّ ابكارًا، عُربًا اترابًا لأصحاب اليمين ) في وصفِ حُورِ العِينِ. فكلمة "عرب" تعني:-
تَمَّ و خلا مِنَ العيبِ.
و عكسها "أعرب" - بمعنى ..
نَقصَ و شَملهُ العيبُ.
عُرْبانٌ:-
نأتي الآن إلى كلمة "عُربان":-
هي بالأصل "عرب" أُلحِقَ بها (ا ن) للتعريفِ.
وصار العربُ المتطورون يطلقون على:-
١ - مَنْ هُم يسكنون الباديةَ بعيدًا عن المدنِ بالــ (أعراب)و يتصفون بالتخلّفِ و الفظاظةِ و هم بدوٌ رُحَّلٌ.
٢ - و مَنْ هُم يسكنون في أطراف بعض المدن الصغيرة و في القرى ، بالــ (العُربان)، و كل مجموعة منهم عبارة عن عائلة واحدة تُسمَّى (عشيرة) يعيشون حياةً مستقرةً خارج المدن، مساكنهم خليطٌ من الخيام وبيوت الطين، معزولون عن ركب التطور و يحافظون على موروثٍ منذ مئآت السنين، و هم متخلفون يعيشون على هامش الحضارة، و بمرور الزمن صاروا يحكمون أماراتٍ و دويلاتٍ بعد تجميعهم و التفافهم على مَنْ سَيطرَ عليهم و جَنَّدهم لصالحه عبيدًا!
و هذا المرادُ مِن العنوانِ لقصة "عُربان" التي استحقتْ المرتبةَ الأولى في مسابقة القصة القصيرة جدًا في ملتقى ادباء الشرق .
لغةُ النَّصِ:-
أربعةُ جملٍ حملتْ بينَ طيّاتها تأريخَ صراعٍ مريرٍ، و تضحياتٍ جَمَّة، و مستقبلٍ أكثر قتامة لو أن المقهورين المستضعفين إستمرأوا التطبيعَ و ابتلعوا الطُعُمَ تَلو الآخر ...
تزاحموا-- بمعنى تدافعوا إلى ما لا يُحمدُ عُقباهُ، و هو مَمْقوتٌ لإن التدافع آتٍ عَن ذِلٍّ وَ خنُوعٍ.
قَدَّمَ-- عطاءً ما بعدهُ عطاءٌ، عَن يَدٍ صاغرًا دون مقابلٍ، إلّا السُحْت الفُتات..
تَقبَّلتْ-- قبولُ العَطايا يأتي عَن إستعلاءٍ على المُعْطِي وَ المُهدِي ...
مَنَحتْهم-- تكريمًا مزيفًا، و نعمةً زائلةً بعدَ حين، مِن مَلِكٍ لا يَملكُ شَرْوَىٰ نَقيرٍ، لان الشعوب ستقول قولتها في يومٍ ما، عاجلًا أم آجلًا.
هذه الأفعالُ الحركيَّةُ " من حيث الحدث" و الماضيةُ "من حيث الزمن".. وصفتْ الكاتبةُ لَنا - بها - جَوَّ القَصِّ الذي أبدعتهُ، و وضعتنا امام مشهدٍ، زمنيٍّ طويلٍ جدًا، اختصرتهُ بِبضعةِ ثوانٍ، نمضيها في القراءةِ، و بعدَها .. ما أحوَجَنا إلى عُمرٍ، بَلْ أعمارٍ أُخرى، نُقَلِّبُ فيها جَمْرَ المأساةِ و عذاباتٍ تراكمتْ على مدى ٨٠ سنة عجاف!
و ما كانت سنينُ يُوسُفَ إلّا سبعًا!
فهلْ يَكفي تَقويمُ هذه القصةِ القصيرةِ جدًا بِكلمةِ "ممتاز" و هي تستحقها؟!
أشكُّ في ذلك...
الخُلاصَةُ:-
أبدَعَتِ الكاتبةُ أَيُّما إبداعٍ في الحذفِ
و الإضمارِ و الإيحاءِ لبناءِ نصَّها، حينَ تقدمتْ بنصٍّ عالٍ مِن حيث السَّردِ و وحدةِ الموضوعِ و الجرأةِ النادرةِ التي شَكّلتْ عنصرَ جَذبٍ للمتلقي و التكثيفُ بطريقةِ تَناوِلِ الفكرةِ ذات الحسّاسيَّةِ السياسيَّةِ و العاطفية معًا فضلًا عن التَّناصِّ الذي وَظّفَتهُ الكاتبةُ في..
(معبدِ القرابين، فكرةِ الذَّبح، وَ منحةُ مُسيلمة الكذّاب)...
أمّا القفلةُ الخاتمةُ جاءتْ متصاعدةً إلى مصافِ الذَّروةِ بغيةَ تحقيقُ الهدفَ من إدهاشِ المُتلقّي في نصٍّ قَلَّ نظيرهُ في حِبكَتهِ وَ قِلَّةِ مفرداتهِ وَ عمقِ أبعادهِ، و صدقِ مشاعرهِ.
نَأملُ مِنَ الآخرين سَدَّ ثغراتِ مقالنا بأضافاتٍ تُأَسِّسُ للقصةِ القصيرةِ جدًا تَقْويمًا جادًّا وَ مسؤولًا كي نَرتقي بهذا الجنسِ الأدبي الذي يَهابُهُ كثيرٌ من المبدعين .
تحياتي الطيبة للمبدعة و تهانينا لانها:- * استحقت المركز الاول؛
* و أبدعتْ في تقديمِ نَصٍّ متكاملٍ بعناصرهِ.
(صاحب ساچت/العراق)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق