الثلاثاء، 15 ديسمبر 2020

قصة : اختيارخاطئ بقلم // لخضر توامة

 قصة : اختيارخاطئ

فرحت لما تزوّجت بشخصية مرموقة، تعالت على أترابها اللواتي كنّ يرمقانها بحسد ، ظنت نفسها قد تربّعت على قمّة السعادة لتقول للشقاء مع السلامة قد لازمتني صغيرة وأتعبتني كبيرة ، الآن ابتعد عني ولا تريني وجهك العكر.

أصبحت ترتشف كؤوسا من مشروب الهناء وهي ترفل في أثوابها الجميلة التي صممتها لها أحسن الخياطة في بلدتها ، لكن ذلك لم يدوم إلا أسابيع تعدّ على أصابع اليد ، سرعان ما أدلهم الجو ، أبرقت السماء وأرعدت فسالت دموعها مدرارا ، أحست بملوحتها على وجنتيها فأحرقتها تلك العيون التي رحبت بها في يوم من الأيام بنظراتها العدوانية التي حاصرتها في كل مكان تتحرك فيه ،حتى في مخدعها لم ترحمها في منامها الذي أضحى كابوسا يزعجها كلما أغمضت عينيها ، انقلبت الأفراح والبهجة التي أذا قتها في أيامها الأولى إلى عذاب دون أن تعرف الأسباب التي أوصلتها إلى هذا المصير.

حاولت في أيام العجاف أن تعرف سبب الانقلاب ، فشلت في ذلك ، تصاعد منحنى العذاب درجة درجة حتى نهاية سلم الصبر، لم تجد من يفهمها ولم تجد المساعدة حتى من الشخص الذي تباهت به على أترابها ، أصبحت هي وآهاتها ودموعها وهذا الذي يتحرك في أحشائها وكأنّه أحسّ بمعاناتها فشاركها بضربات برجليه الصغيرتين.

جاءت لحظات المخاض وعانت ما عانت من ألام مبرحة ، كانت أمها إلى جانبها تشجعها وتهوّن الأمر عنها بقولها : لما يأتي الولد ستتغيّر الأمور وسيصفو الجو ، وتعود المياه إلى مجاريها ، هيهات يا أمي لن يكون هنا صفو بل عواصف لا تبقي ولا تذر ، يا أمي ما رأيت هؤلاء من قبل ، هؤلاء قساة القلوب ، كأني جئت إليهم من كوكب آخر ، حتى هو الذي كنت أكن له حبّا أصبح لا يبالي بي ، يا أمي لم أبي رماني هذه الرمية؟ أهو المنصب الذي فيه أغراه؟ أم ماذا؟ أحيانا كانت تجلس مع نفسها تكلمها حتى لا تصاب بالجنون ، لا تجد من تتحدث إليه حتى الهاتف سرقوه.

جاء الولد وفرحت به هي وأمها ، أما الآخرون كانوا يتمنون أن يكون بنتا ، خاب ظنهم وكتموا غيظهم  ، لكن ازداد استفزازهم لها ، كلّما عملت شيئا في المطبخ إلا عزفوا عن تناوله ، حتى كادت ترى المطبخ محرّما عليها حيث إذا دخلته خرجن ، إذا طبخن لم يتركن لها شيئا من الأكل ، تجوع فلا تجد ما تسدّ به رمقها ، حتى الجيران ممنوع عليها أن تتحدث معهم ، أو تطلب شيئا منهم ، تعيش في حصار مثل دولة تكالبت عليها الدول لأنها وقفت مع المظلوم ، هي كذلك وقع لها

حاولت أن تفتح صفحة جديدة ، وتنسى الصفحات السوداء التي كتبتها بنفسها وتقول : عفا الله عما سلف ، لكن اللئم إذا أكرمته تمرّد ، ازدادوا بعدا عني ، فما كان مني إلا أن انقلب عليهم وأريهم الوجه الآخر ، كنت أقوم في الصباح واعمل فطورا لي فقط وأعود إلى حجرتي و هكذا أصبحت أتحاشهم في مأكلي ومشربي وجلوسي ، لكن الملاعن أعلنوها حربا اقتصادية حيث أصبحوا لا يتركون شيئا في الثلاجة ولا في غرفة المعيشة ، هنا وصل الأمر إلى منتهاه وصل الموسى إلى العظم ، كلمنتي أمي لتسأل عن أحوالي ، قلت لها : اسرعي فقد أفقدوا عقلي أو أموت جوعا أنا وابني ، المسكينة لم تقدر أن تفعل شيئا سوى إخبار أبي الذي تباطأ في اتخاذ القرار، وبعد يومين وصل هو وأمي وجداني بين الحياة والموت ، حملني أبي بين ذراعيه وحطني في السيارة وهو يقول لسائق : إلى المستشفى ، هناك أدخلوني إلى الاستعجالات ، كان الضغط ضعيفا ، أول شيئ غرزوا ابرة واوصلوها بزجاجة مصل التغذية حتى انتهت وزادوا أخرى ، فتحت عيني وسألت عن ابني ، قيل لي : عند أمي التي أخذته إلى إحدى الجارات لترضعه ، أبي تحدث مع الطبيب وأفاده بمشكلتي الأمر الذي جعل الطبيب يتصل بالشرطة ليخبرهم بالأمر ، جاءت الشرطة وسألوني عن الأمر فأخبرتهم بكل ّ شيء ، لكن أبي حضر وأنهى الإشكال وقال : إنّ الأمر ليس بجريمة وإنه شأن عائلي ، الحمد لله إنها بخير. ونحن نتفاهم مع بعضنا ولا داعي إلى المحاكم.

خرجت من المستشفى وعدت إلى داري جمعت كل ما يخصني ويخص ابني وعدت إلى بيت أبي ، انتظر عودة زوجي من مهمته التي طالت مدتها.

لكني لم أسكت ، اتصلت به على رقمه ، جاء صوت الرقم لم يعد في الخدمة صوت زوجي يحاول أن يغيّره ، عاودت الاتصال ـ ربما أخطأت في المرة الأولى ـ بعد مدة جاءني صوت نسائي قائلا : من معي ؟ قلت : من أنت هذا رقم زوجي أنت تعملين معه ؟ أم سكريترة؟ قالت : لا هذا ولا ذاك ، قلت : إذن من تكونين؟ قالت : زوجته ، قلت لها : وأنا أيضا زوجته وعنده ابن مني ، انقطعت المكالمة  ، وبعد مدة جاءني اتصال من رقم لا أعرفه ، ضغطت على زر الاتصال وقلت : السلام عليكم ، رد وعليكم السلام كان صوت رجالي ، قلت : من أنت ؟ وكيف حصلت على رقمي؟ قال لي : أنا زميل زوجك في العمل وحصلت على رقمك من هاتف زوجك ، واتصلت بك لأخبرك عن زوجك فقد استولت عليه امرأة لعوب وتركته مسلوب الإرادة تقوده كيفما تحب هي ، أرجو أن تلحقوه قبل ما يرتكب عملا ، قلت له : شكرا على إخبارك وسأتصل بأهله لأني في دار أبي ،قال لي : أنا أخبرتكم بالأمر وأنتم أحرار

اتصلت بأمّه وأخبرتها بما سمعت ، لكنها قالت لي : هو حرّ يفعل ما يشاء ، لست المرأة الوحيدة في العالم وقطعت المكالمة

اتصلت بأخته وأخبرتها ، ردّت بقولها : هو رجل ويعرف مصلحته حتى لو تزوج بأربعة فأنت انتهيت من حياته وسوف يرميك كما ترمى الزبالة.

أخبرت أبي بكل شيئ فقال لي : يا ابنتي اسمحي لي فقد كنت آمل أن تعيشي في سعادة ، اخترت لك الرجل المناسب لك لكني اختياري كان خاطئا.

بعد شهرين جاء ني اتصال من زميل زوجي الذي أخبرني بأن زوجي قبض عليه بسبب مخدرات وُجدت في سيارته وهو في السجن.

لخضر توامة / الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق