الثلاثاء، 15 ديسمبر 2020

قراءة لومضة الكاتب عبد الله صادق هراش.بقلم الاستاذ// صاحب ساجت

 قراءة لومضة الكاتب عبد الله صادق هراش.

بقلم الاستاذ صاحب ساجت


 

بعنوان:-    "سِياسَةٌ"

 "تَفَتَّحَتِ ٱلعيُونُ؛ اِكْتَظَّتِ ٱلسِّجُونُ."

العنوان:-

'سياسَةٌ' [ Politics.. Politique]

و هي:- منهجُ و ممارسةُ تأثيرٍعلى الآخرين، و فنُ الممكن بكيفيةِ إدارة شؤون الدولة، و فنُ الحيلةِ" بوليتيكا".

لغةً:- مصدرٌ على وزن (فَعَالَة) مأخوذة من الفعل "ساسَ أو يسوسُ" أي:- دَبَّرَ الشأن َ و صَرفَهُ نهيًا و أمرًا.

اصطلاحًا:- اجراءاتُ رعايةِ دولةٍ ما داخليًا و خارجيًا، ترتبطُ بعلاقةِ الحاكم بالمحكومين.

و السياسةُ تُسْتَعمَلُ في تسييرِ أمور أي جماعةٍ و قيادتها على وفق أيدولوجيا يؤمنُ بها الحاكمُ و نظامه.

و ما يَهمُنا هنا:- احتكارُ السياسةِ بشتىٰ وسائل الإكراه، لضبط سلوك المجتمع و تطلعاته في الإتجاه الذي تراهُ السلطة،

و التوفيق بين توجهات وتفاعلات انسانية في المجتمع. و السياسةُ بيدها سلطات تشريعية و تنفيذية و قضائية، و شرطة و جيش و مؤسسات إدارية و تنظيمية، منها السجون، و لها سلطة معاقبة مخالفي قواعد قانونية نافذة، و لها غطاء قانوني.

و من نافلة القول.. إنَّ مفهومَ السياسي تحوّلَ إلى مفهومِ السّائس، الذي يُدجّنُ الخيولَ. فهو للأسف؛ بدلًا مِمّا يتولى تدبير و تصريف شؤون الشعب بالعدل، يَعْمَدُ على 'ترويض و تدجين' الشعب بالوعود الكاذبة، و بسرقة حياتهم!

المَتنُ:- 'تَفتَّحتِ العيونُ' .

تَفَتَّحَ فعلٌ ماضٍ ، يَتفتّحُ تفتّحًا فهو مُتَفتّح على وزن(تَفَعَّلَ). و التاء ضمير متصل عائد على الفاعل'العيون' جمع عين، و هي أُسُّ الوَمضةِ!

تَفتّحتِ العيونُ= اِنْتَبهَتْ.

و تَفتحتِ الزهرةُ= تَشقّقَتْ أكمامُها عنها، و اللّوزةُ عن القطن.

و تفتحت العيون ساعدتْ على تَفتّح و تَفَتُّقُ العقولُ، و تطوّرها

و تَقدُّمُ قابليتها على الفِهمِ.

و هنا اِستعارةٌ حَسَنَةٌ، و صريحةٌ لمعنى غير ما وُضِعَتْ لهُ، لغرض توسعة الفكرة.

و تفتّحُ العقول في مجال اِختصاصها، اِنساقت إلى التفكير بعد أن وصلتها ومضات من الحواس الخمسة، و منها عينٌ ابصرتْ بفعل سقوط الضوء على أشياء مادية و معنوية، و نقلتها عبر الأعصاب البصرية، على شكل رسائل، و تفسيرها من قبل العقل.

هذه المعاني و الدلالات للرسائل.. التي تفتق عنها العقل/الذهن، تكون نظريةً تفسرُ كيفية حدوث الظواهر الاجتماعية و الطبيعية ، و تشرح آلية حدوثها، و هي خاضعة للخطأ و الصواب. لكن التماسك المنطقي و الرياضي للنظرية، و اخضاعها لسلسة تجارب.. يعطي لصحتهامصداقية.

و النظريةُ عبارةٌ عن رأي أو فرضية يؤمن بها مجموعة من المريدين لها، و يعتنقونها كعقيدة، تتطور إلى فلسفة حياة لمجموعة من الناس، تطلق على نفسها :' الثوار' ! يَهبُّون للتغييرِ و رفض الواقع بأية وسيلة تكفل لهم اِستلام زمام الأمور.

العَجزُ:- " اِكْتَظَّتِ السّجُونُ".

اِكتظتْ من اِكتظَّ، يكتظُّ، اكتظاظًا فهو مكتظٌّ. أي:- امتلأ حتىٰ الإفراط.

و اكتظت السجون- اِزدحمت و اشتدَّ امتلاؤها، بمَنْ تفتَّحتْ عيونهم و عَقَلتْ عقولهم بما لَمَسُوه و قاسُوا منه، من سياسة نظام غير عادلة.

فمواجهة من تفتَّحتْ عيونهم

و اذهانهم جاءتْ باسلوب قهري عن طريق زَجِّ المُتنوِّرين و الثّوار، و مِمَن يحملُ أفكارًا حرّةً، و يطلبون برفع الحَيفِ عن المجتمع، في سجون أُعِدَّت لهذا الغرض. و الأنكىٰ؛ إنها امتلأتْ حتىٰ التُخمة، و اكتظتْ اكتظاظًا.

الومضةُ تركتْ أثرًا مباغتًا و صادمًا للمتلقي حين فاجَأَتْهُ بــ " اكتظت السجون". فاستعمال الفعل 'اكتظ' بدلًا من مرادفات أخرى.. دلالة على تحقير فعل السياسة و ازدرائها!

و ليس ذاك فحسب.. انّما ازدحمت على بُكرة أبيها، و هذا ذلٌّ و عارٌ على مَنْ واجهَ التّنوير بغياهب السجون، و أطفَأَ نور عيون.. بظلامٍ دامس!

تحليلُ الومضةِ:-

تُلَمِّحُ الومضةُ إلى ما آلَتْ إليهِ الأفكارُ، و الآراءُ في بيئةٍ سياسيةٍ موبوءةٍ بصراعات عَبثية على تَسَنُّمِ عرش الحكم، بحيث تحولتْ المنطقة العربية- مثلًا- إلى حلبة صراع دِيَكَةٍ!

و الدِيَكةُ مشهورةٌ بمقاتلةِ بعضها البعض في لقاءها!

و الشعوبُ وحدُها تدفعُ خسائرَ تلك الصراعات!

* العنوانُ:- 'سياسة'

اسمٌ مفردٌ نكرةٌ، عامٌ يسمحُ للمتلقي ان يدخلَ من خلاله إلى جسدِ النصِّ،

و يمنحه حرية تأويل دلالات

و علامات سبقتْ السَّرد، و بالعنوان يكتملُ النصُّ!

* أمامَنا فعلٌ ثلاثي (ف ت ح) مزيدٌ بحرفين هما ' التاء في أوله، و تشديد عين الجذر "تفتّح"على وزن 'تَفَعّل'، و هو فعل لازم. بمعنى:- الفِهم و الإدراكُ.

و تفسيرهُ:- تَوقّدُ الذِّهن يَقودُ حتمًا إلى تطور الفهم.

أمّا وظيفتهُ المعنوية كفعلٍ ماضٍ هي:-

دلالةُ الإنتقال و التغيير من حالة إلى أخرى، لعبت دورًا بارزًا في سرد القَصِّ المتحرك في الومضة!

* اِستعارَ الكاتبُ علاقة المشابهة بين المشبَّه بهِ' تَفتُّحُ العيون' وهو المستعار.. و المشبَّه' تَفَتُّقُ الأذهان' و تطور فهمها و إدراكها. فاستغنى عن ذِكرِ المشبّه، و هذه هي استعارةٌ تصريحيةٌ!

* اِستعملَ الكاتبُ الطِباقَ الإيجابي في الفعلين" تفتحت- أي: الإنفتاح و الحرية"، و الفعل" اكتظت- أي: ازدحمت و ضاقت".

* نَلْحَظُ في النَّصِّ ميزانًا صرفيًّا واحدًا لــ (العيون/السجون) هو- فَعُول.

* وازَنَ الكاتبُ بينَ شَقَّي الومضةِ، فَتكوَّنَ الشّطرُ و العَجزُ مِن كلمتينِ كلمتينِ" تفتحت العيون/اكتظت السجون".

* أفعالُ الماضي مبنيةٌ للمعلوم، للدلالة على:- وقوعِ الحدثِ قبلَ زمن التَّكلُمِ، لحيويتهِ و حركتهِ و أهميتهِ. و قد يدلُّ على الحال والإستقبال.

أخيرًا...

سارَتِ الومضةُ بمسارٍ منطقي واضح، فالسياسةُ غير العادلة تنمو فيها الأفكار التنويرية، تستهدفُ التغيير، و يقابلها كبتُ التطلعات و كبحُ لجامِ التغيير، و تقييد الحريات.

و التنويرُ بحاجةٍ إلى وقت ليس بالقليل، كي يترسخَ و يستقرَّ في العقول، و يزدادَ كَمُّ و نوعُ روّاده و مُريديه، و بالمقابل.. السياسةُ تتدخلُ في إنشاء مؤسسات قمعية، منها السجون!

     (صاحب ساچت/العراق)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق