قصّة قصيرة
* زْهَايْمِرْ *
المقعد الخشبيّ على الشّرفة مكانها المفضّل يُطلّ على شارع رئيسيّ في زاويته مدرسة .. أفواج التّلاميذ في الصّباح والمساء لا تكفّ عن إحداث الضّوضاء والجلبة .. في عمرها الهدوء هو الأخ التّوأم للوحدة .. وقد طالت وحدتها منذ سفر اِبنها الوحيد للدّراسة ثمّ للعمل ثمّ للزّواج فإنجاب الأبناء فاللّاعودة !!
كانت ترتشف فنجان الشّاي على مهل عندما شاهدت الفتاة الصّغيرة تلوّح بيدها تُجاهها .. أحسّت بفرح يغمرها وابتسمت لها ولوّحت بيدها .. ستنزل الدّرج مسرعة لتلتقي صديقتها وستجوبان طرقات الحيّ دونما وجهة محدّدة وستبتاعان المثلّجات من عند الرّجل الطّيّب قبالة السّوق العتيق .. وبحركة لا إراديّة رفعت يدها لتمسك اِحدى ضفيرتيها المنسدلتين على كتفيها .. لكنّ يدها وقعت على ملمس ثوبها الخشن .. نظرت بذهول ليدها المجعّدة .. لم تُصدّق بادئ الأمر أنّها يدها !!
وبنفس يموج بها الأسى توجّهت للمطبخ بعد أن تذكّرت أنّه موعد الدّواء.
قريبا يسدل اللّيل ستاره .. كم تكره اللّيل عندما يصاحبه الأرق .. تشابه الأيّام وتكرارها يقتلها على مراحل .. وكأنّ روحها في زجاجة بها ثقب صغير تتسرّب الرّوح منه بالتّدريج .. كم بقي من روحها في الزّجاجة؟
لا أحد يدري.
يرنّ جرس الباب .. من الطّارق؟!!
يَنْدُرُ أن يأتيها زوّار .. تفتح الباب إنّها اِحدى الجارات تصغرها ببضع سنوات .. لا تحبّها كثيرا لأنّها ثرثارة وتبدو سعيدة أكثر ممّا ينبغي .. تتساءل أحيانا عن سبب سعادتها فهي أرملة وحيدة مثلها !!
الجارة ليست وحدها .. كلبتها تطوف بهما وهي تهزّ ذيلها دونما توقّف .. هي لا تحبّ الكلاب لكنّها مضطرّة لاستقبالها كضيفة صحبة سيّدتها !!
وطوال الجلسة لم تكفّ الكلبة عن التّودّد لصاحبتها .. تقف عندما تقف وتجلس عندما تجلس وتضع رأسها على حجرها بحنان يلامس القلوب حقّا !! لم تستطع بينها وبين نفسها أن تنكر ذلك.
غادرت الجارة فعادت إلى مقعدها الأثير على الشّرفة .. نسمات باردة تنذر بهطول المطر .. أصابتها قشعريرة فغادرت الشّرفة مكرهة.
كانت ليلة ماطرة ضاعفت شعورها بالوحشة .. صرير النّوافذ والشّبابيك أفزعها فغادرت سريرها تبحث عن شموع تحسّبا لانقطاع مفاجئ للكهرباء ... عندها سمعت صوتا مستغيثا تغلغل في عمق روحها وأوقد الشّعلة في قلبها .. كان صوت مواء موجع لقطّة صغيرة بلّلتها مياه الأمطار .. تجوب الشّارع وحيدة في هذه اللّيلة المطيرة لعلّ بعض القاسية قلوبهم قد تخلّوا عنها وهي في أمسّ الحاجة إليهم.
لم تتردّد ووضعت وشاح الصّوف على كتفيها ونزلت الدّرج بحذر توجّبته سنوات عمرها التي اِقتربت من السّبعين .. بحنوّ بالغ لفّت القطّة بالوشاح وحملتها .. وأشعلت الموقد وأدفأتها ثمّ بعد ذلك أطعمتها .. كانت القطّة تنظر إليها ممتنّة .. وطوال السّهرة كانت تنام على حجرها أحيانا وتداعب خيوط الوشاح أحيانا أخرى وتركض هنا وهناك بحركات بريئة ومضحكة !!
اِبتسمت !! منذ زمن بعيد لم تبتسم .. غادرها الفرح منذ أن رحل اِبنها وقلّت رسائله وغابت مهاتفاته !!
خمدت شعلة قلبها منذ ذلك الزّمن.
بدا لها هذا الصّباح أنّ القطّة تحتاج لنزهة فلبست معطفها الأخضر واعتمرت قبّعة تزهو زهرة على جانبها الأيمن ... وهناك في حديقة الحيّ وجدت صُحبة.
جالسين على المقاعد الخشبيّة .. يرتشفون آخر القطرات من كأس الحياة .. يستسيغون طعمها الحلو قطرة .. قطرة .. أصواتهم المرتعشة بحيويّة تتجاوز النّكبات تحدث شيئا من الضّوضاء في الحديقة:
《كلبتي .. قطّتي .. عصفوري
حديقتي .. شُجيراتي .. زُهوري ....♡》.
سعيدة الزّارعي/تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق