الأحد، 20 ديسمبر 2020

قصة طويلة سندباديون المقطع السادس بقلم //موسى غافل

 قصة طويلة

سندباديون

المقطع السادس


يهبط برفقتهه الملاك.. حيث الساحل بأشجاره المتراصفة. بخضرتها الزاهية. و أوراقها كأنها مرايا.

ركبا الزورق القزحي. انساب في بحر السماء. شراعه الزجاجي يلم الريح الزرقاء، ماضياً إلى أمام .ألأسماك الملونة تنط من عمق المياه.حوريّات البحر تصنع مراوح لؤلئية، نسيمها العطري يضوّع . ينثرن كرات درّية، وحبّات لؤلئية. كلاب الماء تحصد أزهار المرجان، و ثمار البحر. الزورق ينساب وسط أناشيد الملائكة.المحتفين بالإبحار للوافدين. يغرف لهم الملائكة، بأيديهم ماء الشمس.فيشربون و يرتوون. يأكلون خبز الأقمار. و يزيّنون جباههم بأكاليل النجوم.

ألأيام قضوها بلا حلكة ليل . الظلمة تلاشت. الجوع تلاشى. الخوف من السعالي و الشياطين وملك الموت تلاشى . ألأحزان ولّت أدبارها . اختبأت في ثقوب الليل . ألأقمار و النجوم أزاحت عتمة الليل .

ألأمهات تناثرت أرديتهن الحالكة السواد كالعهن المنفوش. و انغمرن بالألق الوردي.وتوالين عائمات، بأجساد ملائكية. ناصعات كالعاج المشرّب بطيف وردي.. فنضحن عطراً و طراوة . وفترت شفاههن عن ابتسامة ساحرة. و العيون.. تلقي بمرحها بسخاء مفرط.ثم ارتدين ثياباً متألقة الأزهار. وبسطن أقدامهن الوردية فوق مباهج الجنّة. انحنت الملائكة أمامهن إجلالاً .

هتف ولّودي بصوت عالِ :

ــ هل هذا كثير على الأمهات؟ إذا لم تكن الرقّة، و الثياب المزدانة بالنجوم والأزهار لهن .. فلمن تكون ؟

يلوح لولّودي صرح النور . العالم غارق بالنور . كائنات بحر السماء كلها تضحك .فتختنق و تستلقي على قفاها فوق لجين البحر .

ألألوان .. تبكي من الفرح و تتعانق مع بعضها ،. ألابتسامات .. تحلّق كالنوارس البيضاء .تدفع بهن ريح الحب ، و العشق و الاقتران ، و الدأب إلى الوئام.

و السعادة و الضحك كثير . امتلأت رئتاه بالضحك .لعلّ أحداً يكذبه لو قال :

ــ إن الضحك بقدر كثبان الرمل ، بل أكثر بكثير . الضحك لا يعوزه.. سوى الكثير و الكثير من البشر .، لكي يغمرهم و يجعلهم يموتون ضحكاً .

السرور .. باستطاعة الطفل : أن يحويه باليد و القدم . فائض إلى الحد الذي يدعه يلهث وراء الجميع ، و يلتمسهم قائلاً :

ــ أفديكم بروحي ، لا تدعوني وحيداً. أوليس لديكم أولاد آخرين بحاجة إليّ؟ ألتمسكم أن لا تتركوني .. إنني على استعداد .. أن أكنس أحزانكم بيديّ هاتين .. أرجوكم .. أرجوكم .

كل شيء متوفرفي السماء دون عناء. ألأشياء البهيجة ،النائية بارتفاعها عن الأرض كاد يقتلها الكساد . إنها .. مثل النساء المترمّلات تبحث عن القرين .

علب حلوى بحرية . ملابس من ريش زاهي الألوان .كتب تتوهج . أقلام بمختلف الألوان . دمى صاخبة، تقفز من الماء وتنط على الزورق . فيتحفّز ولّودي لكي يهتف بأعلى صوته ( ها، ها ،ها. هو ،هو ،هو .. ( كليب الماي.. تشرب حليب لو شاي ؟ ). فيجيبه الصدى ( شاي ) .

يردد و يضحك . يمتلِئ الزورق ضحكاً .يتمنى و لّودي أن يهديه لصديقه حمودي . و لكل الأطفال .

ولودي لا يعرف الأشياء المحايدة . لماذا لا يرى القزحيات بألوان متطرفة ؟ ألأزرق .. فيروزي برّاق .و الأخضر سندسيا متألّقاً. و الأصفر جذاباً . و الأحمر قانياً . و الأبيض ناصعاً.و الأسود كالكحل .

ولودي لا يميل للألوان الرمادية . زهق من الألوان الرمادية .ولا يعرف حزناً حيادياً. آخر الحزن .. الألم .. البكاء . فمادام الحزن متطرفاً .. لماذا لا يتطرف الضحك . الضحك يعرض نفسه لكل وجه حزين .

أخيرا و ليس آخراً .. رسا الزورق عند ذاك الصرح النوراني . الصبية و الصبايا المجنحون .. يتعانقون . أكلوا من فاكهة الجنة . أكلوا كفايتهم و تقاذفوا ببعضها . شبعوا حتى تلألأت أجسادهم كالكرستال . هتف و لّودي بأعلى صوته :

ــ كم هذا وافر هنا يا إلاهي ؟ كم هذا رخيص هنا يا إلاهي ؟ كم هذا مدهش يا إلاهي ؟ لما ذا لا نملك مثل هذا؟ إغدقها علينا هناك يا إلهي .

غايتهم أن يصلوا إلى الثريا. عثروا هناك على الآباء . ألآباء عمالقة نورانيون . عيونهم متألقة . خدودهم متوردة لحاهم كشرائط ذهبية . شاهد ولودي مع الأولاد الوافدين إلى السماء مدينة مترامية ، مضاءة لا حدود لها وقف الآباء في مدخلها صفاً ، ينضحون نوراً و عطراً. عجب و لودي و أصدقاؤه : إذن لماذا تبكي الأمهات؟

عرف الأولاد آباءهم . شاهدوا العناقيد الذهبية متدلية ، من عروشها . و البرتقال الذهبي . و التفاح خد و خد .

قبل أن يتقدم الأولاد إلى الآباء ، تقدمت الحوريات ، صبايا مجنحات شفّافات. رافقن الوافدين إلى آبائهم أَلقَينَ بهم ضاحكات في ترع النور . فتــــــقافزوا بوجوه و أجساد كرستاليّة .

قسم منهم وجدوا آباءهم . قسم ما زالوا في طريقهم مع الملائكة المرافقين .قالوا لمن لم يصل بعد إلى أبيه : ــ صبراً يا صغار تريّثوا قليلاً، ما زالت أمامنا جنائن هائلة ، سنصلها بعد حين . حلّقوا فوق النجوم . و الحوريّات تنثر فوقهم شرائط من نور النجوم . ولودي حلّق مع الملاك الذهبي .

مرّ فوق قصور الجنائن . شاهد الأنهار ، التي استضاءت بلون فضي . و الطيور تحلّق جماعات و أفراد .

نسى ولّودي الحزن . لا يدري لماذا كل هذا الفرح .نسي أيضاً: أن ينتبه إلى قلب أُمه ، الذي وفّر له الوقت : أن يغرق في ألأفراح و المسرّات. إنه فقط .. تمنّى أن يرافقه حمودي ، لكي يتمتعا معاً بهذا كلّه .

ولودي قال للملاك :

ــ هل بوسعي أن أُغني و أكون مرحاً ؟

قال الملاك :

ــ افعل ما يحلو لك. فالفضاء رحب جداً.و مرح الأطفال يسعده .

هتف ولودي: ــ عا.........ن . عا.........ن . ون......ون...... طررررررر. دُبّا......ه .

قال الملاك :

ـ ما هذا يا وليد ؟ أنت تقــــــاتل مــــــن؟ السمــــــاء ؟ الملائــــكة ؟ الحوريــــات؟ الضيــــــوف؟ الشهـــــــداء ؟ المــــــوتى ؟

قال ولودي أنا لا أقصد هـــــذا .

قال الملاك

ــ ما الذي تقصده يا وليد ؟

قال :

ــ إنني تعودت أن ألهو هكذا .

ضحك الملاك و قال :

ــ ألا ترى .. إن الجميع قد فوجئوا؟ لا بأس يا وليد.. أتعرف إننا نكاد.. أن نقترب من جُنينة والدك؟

قال وليد :

ــ هل هذا صحيح ؟

قال الملاك :

ــ أترى أولئك الأطفال المجنحين ؟ إنهم سيرحبون بك و يرافقونك إليه . فوداعاً يا صديقي .

هتف و لودي :

ــ مهلاً أيها الملاك الصديق.. هل غضبت مني ؟

ضحك الملاك و قال :

ــ أبداً يا عزيزي. ولكني مكلّف بمرافقة آخرين جدد. فواجبي معك انتهى .

موسى غافل

9/نيسان/2002

يتبع


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق