قصة طويلة
سندباديون
المقطع الخامس
حلّق و لّودي، في سعة الفضاء، ذو الأطراف المترامية، مستأنسا بهدوئه و سكينته . يتحسس الدفء المنبعث من قلب أُمه، و القلب يهمس:
ــ هل تحس بالبرد ؟ بالخوف؟
قال ولّودي:
ــ أنا لم احلّق سابقاً. أنا لا أعلم عن كل الأشياء التي في السماء. أنا لم أشاهد بحر السماء، سوى ما أخبرني به حمّودي. أهي باردة ؟ دافئة ؟ لا أدري .
همس القلب:
ـ هل تحتاج دفئاً يا عزيزي؟
قال :
ــ سنرى إذا كنت أحتاج، لكني أخشى السقوط، و أرجو أن تمسك بأضلعي .
قال القلب:
ــ لا تخشى ، أنا معك. المهم أن لا تتعجل .إننا ماضيان دائماً .
تلاشى ولّودي بين النجوم . السماء واسعة جداً النجوم باسمة دائماً. برك كبيرة من النور ، يغوص فيها دون أن يغرق. .إنها تفيض دفئاً.
لاح له صبية و صبايا يغطسون بتلك البرك و يعومون. هل هم يغتسلون ؟
قال ولّودي :
ــ السلام عليكم يا حلوين .
قالوا :
ــ وعليك السلام.
قالت صبية مجنّحة :
ـــ ما اسمك أيها الأرضي ؟
قال :
ــ أنا وليد، و أُمي تسمّيني ولّودي.
قالت :
ــ هل أبقيتها و حيدة ؟ من المؤكد.. إنك قادم لزيارة أبيك ؟
قال :
ــ هذا صحيح. أنا جئت لكي أتفقد أُموره. من الصعب أن يكون بعيداً، ولا يسال عن ابنه. البعد قاتل .
قالت الصبيّة:
ــ وبعد؟ .. ستعود إلى أُمك؟
قال:
ــ بالضبط. هل هؤلاء إخوتك؟
قالت :
ــ إننا إخوة في عالمنا هذا. هل تريد التعرف عليهم ؟
قال:
ــ مرحبا أيها الأولاد.. يسعدني أن أتعرّف عليكم .
قالوا :
ــ أهلاً ولّودي. كيف وجدت الأجواء هنا ؟
قال:
ــ أُو...........ه ، لا تسألوني . لو شاهدتم ما أنا قادم منه ، من رداءة الحال لعرفتم الإجابة. مع إني جئت .. لأتفقّد أبي . فقد تركنا في وضع سيّء.
قال آخر :
ــ هل تنوي .. أن تلعب معنا الاغماضة و الختّيلة؟
قال ولّودي :
ــ يؤسفني ذلك يا إخوان . أنا في عجلة من أمري ، و أخشى أن يدركني الظلام وأنا في الطريق .فوقتي محسوب . إذ علي أن أُشاهد أبي و أعود إلى أُمي، لأن قلبها و رئتيها معي.
ضحك الجميع ، قال احدهم:
لا يوجد ظلام هنا. إن هذا العالم مليء بالنور .
قال ولّودي :
ــ إذن أرجو أن تسمحوا لي بمغادرتكم ، عشرتكم جميلة .. لكن وقتي لا يتّسع.. وداعاً.
قال أحدهم :
ــ هل تحتاج إلى مساعدة؟
قال :
ــ شكراً.. فمعي قلب أُمي و رئتيها.
* * *
التقى به ملاك ذهبي و نادى عليه :
ــ أهلاً ولّودي .. هل أتعبك الطريق؟
قال ولّودي :
ــ حيّاك الله أيها الملاك الذهبي ، أنا لم أتعب. ربّما تعب قلب أُمي و رئتيها.
قال الملاك :
ــ أرجو أن يساعدها الله ، فهي حقاً أرهقها الوقت . لكني : أرجو أن يفرحها وصولك . إن عليّ بأمر الإله، الذي آلمته تضحيات الأُمهات، أن أُوصلك إلى أبيك.. أليس كذلك؟
قال ولّودي :
ــ لكن قلب أُمي دليلي.
ضحك الملاك الذهبي و قال :
ــ ولكن ألم يكن من المعيب..أن تبحث بمفردك؟ إذن لمن وجدنا الإله في هذا العالم السعيد؟ ألم يكن .. هو الذي كلّفني برعاية سفرك؟
لم يجب ولّودي ، فمضى مع الملاك ، و تذكر صديقه حمودي، الذي اعتاد كل ليلة أن يتداول حكايات الأمسيات، عن الأقمار المتألّقة، و الأماني الحلوة . و للآباء بملابسهم الملكوتية.
ألآن .. يشاهد ولّودي ما أجهد عينيه بالتمعن .. عبر شظية الزجاج الذي علّمه حمودي و هو يهتف به: ( هذا هو طريق الجنة . تعال و شاهد أباك. تعال واغرف من هذه النعم. ألم يكن الشوق إليه.. قد امتص نضارة خدّيك ؟ ).
قال حمودي لأصدقائه واحداً واحد :
ــ إننا جميعا سنبحر ببحر السماء. إن عليكم جميعاً أن تتعلموا بأن الإبحار..مصير الجميع . من لا يعجّل و يتعلّم.. لن يجد له فسحة وقت من المكتظين .
قال الملاك الذهبي :
ــ بماذا أنت منشغل يا و ليد؟هل أنت جائع ؟ أتأكل من ثمار الجنة؟
جلب له وِلْدان الجنّة.. إناءاً بلّورياً مليئاً بثمار الجنة. أكل كفايته.
قال له الملاك :
ــ أتريد أن تسافر بالزورق البلّوري.. أو ترحل طائراً؟ ألم تدع رٍئتي أُمك يستريحان؟
موسى غافل
9/نبسان/ 2002
يتبع
* * *

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق