قِصَّة قَصِيرَة: كِسْرَة فَتَرِيتَة
بقلم/ تسنيم طه
عندما نهض وأمسك بالطنبور صفق جميع أصدقائه بحماسٍ، تصفيقًا جعل رؤوس المجموعات الأخرى تلتفت نحوهم.
مجموعاتٌ من رجال ونساء وشباب، جاؤوا إلى أرض الساحة الخضراء (التي سيتغير اسمها إلى "ساحة الحرية"، عندما ستنجح الثورة بعد عامٍ ونصف)، لكي يروحوا عن أنفسهم في الهواء الطلقِ، بعيدًا عن ضيق المنازل والشقق، ولينسوا همومٍ وصعوباتٍ ومعاناةٍ تراكمت بعد تدهور حال البلد، وليتناسوا سوء أوضاع المعيشية وغلاء الأسعار، وليتشاغلوا عن قهرهم من ربط مصائرهم بارتفاع سعر الدولار، وليأخذوا راحة ولو للحظات من تكرار التذمر والشكوى والسخط من انتشار البطالة والفقر، وهجرة الشباب هربًا من الوضع الاقتصادي الذي أبى أن يتحسن.
وعندما افتتح الغناء بمقطع:
بلادي أنا، بلاد ناسًا في أول شئ...مواريثهم كتاب الله
وخيل مشدود، ...وسيف مسنون حداه دِرِع
وتقاقيبهم تسرج الليل مع الحيران .... وشيخًا في الخلاوي ورِع
أمتزج التصفيق بالصفير، وانتشر الفرح في الوجوه وفي الأصوات وهي تردد معه في كورال:
ﺑﻼﺩﻱ ﺑﻼﺩﻱ ﺍﻫﻼً ﻳﺎ ﺑﻼﺩﻱ
أﻟﻒ ﺗﺤﻴﺔ ﻟﻴﻜﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺆﺍﺩِ
فأنساه شعور الزهو، الزمان والمكان، ونقله إلى أيامٍ خواليٍ، علمه فيها عمه عزف الأغنيات الشعبية على آلة الطنبور، تحت أشجار النخيل، وأمام النيل، وجوار الجروف.
كان عمره خمس سنوات، عندما أخذ عمه كفالته بعد استشهاد والده في مدينة كَبُويْتا، ضمن واحدة من معارك حرب الجنوب الأهلية، ومن يومها أخذ يصحبه إلى الحقل لتعليمه كيفية الاعتناء بجروف البصل والفاصوليا والبامية، وتقنيات الصعود لتلقيح نخلاته الثلاث اللاتي تنتجن سنويًا من البلح "البَرَكاوي" ما يؤمن له ميزانية عامٍ بأكمله.
ترحم في سره على عمه وواصل الغناء بحنين:
والله وكم نخلات تهبهب فوق جروف الساب
وبقرة حلوبة تتضرع وليها ضَرِع.
وساقيةً تصحّي الليل مع الفجراوى
يبكى الليل ويدلق في جداولو دَمِع
فتواصل التمايل والتصفيق ابتهاجًا، وازدادت الوجوه جمالًا، والأصوات رخامة وهي تخرج من بين الثغور الباسمة الضاحكة. وعند اتمامه المقطع بجملة: " يخدر في بلادي سلام"، شعر بقلبه يخفق بشدة، دون أن يدري أهي عاطفته تجوش وتشتد أثناء دعائه في سره أن يعم السلام بلاده، أم أنها قوة الحنين لذكرياته مع المرحوم عمه ولنخلاته وجروف حقوله ورائحة هبوب الولاية الشمالية.
وأثناء محاولاته تهدئه خفقان قلبه، لمحها تنهض بأريحيةٍ وثقة لتنتصب واقفةً كنخلةٍ شامخةٍ في وسط الدائرة قبل أن تبدأ في التمايل بلينٍ كغصن شجرةِ بانٍ نضرةٍ، دون أن يتوقف ثغرها الباسم عن الترديد مع بقية الأصدقاء:
في بلادي سلام...في بلادي سلام
خدرةٍ شاربي موية النيل .. تزرد في البوادي زَرِع.
فتضاعفت ضربات قلبه أثناء تفرسه في وجهها، الذي أعملته مَلاحَتَه بأن صاحبته ليست من طلاب كلية الاقتصاد، ولا حتى بقية كليات جامعة الخرطوم الأدبية المجاورة لقاعات دراستهم، وإلا لما كانت لتمر من أمامه دون أن يلاحظها من قبل.
وتناسلت الأسئلة في رأسه عن أصلها وفصلها وقبيلتها، إلى أن خرج بنتيجة أن تكون منحدرة من قبال النوبة في الشمال مثله، مالئًا نفسه بآمال عريضة أن تتلقى مغازلته بصدرٍ رحبٍ عندما يعبر لها وقوعه في سحر جمالها بكلمة "آشْرِي". [1]
وانغمس في بحثٍ عن مدخلٍ لبدايةِ حوارِ معها، لولا أن انتبه لتحديق العيون في وجهه باستغراب، وتهامس بعض الأصوات عن سبب توقفه عن الغناء، ليدرك أن حواره الداخلي قد طال، فخرج من ثمالته بنحنحةٍ بنية مواصلة الغناء ليكتشف أن التمعن في جمال فاتنته أنساه استذكار أين توقف.
في تلك اللحظة، حلقت طائرة قريبًا من الرؤوس فوق سماء الساحة الخضراء، فتلاشت في صخب هدير محركاتها، وهي تستعد للهبوط في مطار الخرطوم الدولي، ضجة الاحتجاجات على توقف الغناء. فوجدها فرصةً لاسترجاع أنفاسه وذاكرته التي سلبتها الفاتنة المتمرسة في الرقص التراثي. فتردد، ثم مال نحوها وسألها عن اسمها، وعندما أجابته بدلال:" لمياء"، كانت الطائرة قد ابتعدت وسمع الجميع إجابتها، ليعيد الحياء اليه ذاكرته، ليستأنف الغناء من مكان توقفه أثناء مرور الطائرة، لتستأنف "القَدَّالَة" رقصها البديع من جديد.
وواصل العزف وغناء مقطع: " ﺑﻼﺩﻱ ﺳﻬﻮﻝ ﺑﻼﺩﻱ ﺣﻘﻮﻝ.... ﺑﻼﺩﻱ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﻟﻠﺸﺎﻓﻮﻫﺎ أﻭ ﻟﻠﺒﺮﺓ ﺑﻴﻬﺎ ﺳِﻤِﻊ"، ولاحظ انضمام بعض أفراد مجموعةٍ مجاورةٍ، كان يناقشون كتاب "قواعد العشق الأربعون"، إلى مجموعته، آخذين في الترديد مع البقية بأريحية وانسجامٍ، ليملأه شعورٌ غامرٌ بالفخر، وهو يلاحظ أفواههم تتحرك وأياديهم تصفق، وأعينهم تلتمع ببريق الاعجاب وهي تطالعه.
وضاعف من شعوره بالنشوة والفخر، اقتراب الفاتنة لتحازيه بخطوات وهي تبدع في رقصها اللين وتمايلها البديع.
وأخذ الجميع يرددون معه بطربٍ وحبورٍ:
"ﺑﻼﺩﻱ ﺳﻬﻮﻝ، ﺑﻼﺩﻱ ﺣﻘﻮﻝ
ﺑﻼﺩﻱ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﻟﻠﺸﺎﻓﻮﻫﺎ ﺍﻭ ﻟﻠﺒﺮﺓ ﺑﻴﻬﺎ ﺳِﻤِﻊ
بلاد ناسًا تكرم الضيف".
ولكنه لم يكد يُنهي مقطع:
"ﻭﺣﺘﻰ ﺍﻟﻄﻴﺮ ﻳﺠﻴﻬﺎ ﺟﻌﺎﻥ
وﻣﻦ أﻃﺮﺍﻑ ﺗﻘﻴﻬﺎ شِبِع"
حتى جاءته لكمة قوية أسقطته أرضًا بجوار طنبوره، قبل أن يخرجه من صدمته صوتٌ هادرٌ غاضبٌ متوعدٌ:
- انت يا زول مجنون؟ كيف تغني لبلادك وتقول الطير يجيها "جعان" والرغيفة بقت بي جنيه؟ هسة على الله انت لاقي تشبع في العيش عشان تفضل منه الطير؟
بهلعٍ هرعت اللمياء نحو عازف الطنور الذي سالت من فمه قطرة دم لوثت قميصه الأبيض، لكن منظر الدماء لم يمنع المعتدي من مواصلة توبيخه:
- أنا من العَصُر قاعد أقنع في الشباب عشان يواصلوا المظاهرات احتجاجًا على حالة الغلاة الضاربة البلد. وتجي أنت بي أغنية غبية زي دي تفسد كل حاجة؟
تطلع عازف الطنبور إلى اللمياء، ليدرك أنه لن يستطيع تلقين المعتدي درسًا يستحقه في وجود تلك الرقة بجواره. شعر بقشعريرة تتجاوزه عندما غاص في عينيها البندقيتين، اثناء تحديقها في وجهه بهلعٍ لتسأله بفضولٍ:
- ده منو ده؟ وعندك معاهو شنو؟ تحب ننادي الشرطة؟
وقبل أن يجيبها، اندفعت مجوعة شباب نحو بالمعتدي ليطوقوه في لحظات، قبل أن يسألوا صديقهم:
- تحب نسقيهو من نفس الكأس ونسيح ليك دمه؟ والا ننادي الشرطة؟
نهض العازف والتقط طنبوره، ثم دار ببصره بين الحاضرين، وعاد يدير بصره بين وجه فاتنته الهلعة، ووجه الجاني المتوعد، قبل أن يوده حديثه للشباب بنبرة هادئة:
- فكوه!
أخرج الشباب عيونهم دهشةً قبل أن يستنكروا بصوت واحد:
- كيف يعني نفكوا؟ ده اعتدى عليك قدام الناس وخلا دمك يسيل؟ وعايز تسيبوا يمشكي بالبساطة دي؟
التفت عازف الطنبور إلى اللمياء الحسناء فملأته ملامحها الهلعة القلقة بنشوةٍ وفخرٍ أنسياه آلام فكه، ليتفتر ثغره عن ابتسامة ثقة صاحبت نبرته الهادئة وهو يوجه كلامه للجاني:
- ح نفكك عشان سيدنا المسيح قال: " إذا ضربك أحدهم على خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر"، وعشان سيدنا محمد "ص" كان بيردد على المنبر الآية القرآنية: "خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين".
هنا اشتاط الجاني غضبًا فزمجر وهو يحاول أن ينفك بالقوة عن مطوقيه:
- قصدك شنو؟ يعني أنا جاهل؟
فشد الشباب قبضتهم عليه ليمنعوه من التقدم نحو صديقهم، إلا أن هذا الأخير كرر بكل هدوء وثقة آمرً إياهم آن يفكوه، فأطاعوا مكرهين، لينفض الجاني قبضات الشباب عنه بضجرٍ، ليتقدم بحذرٍ نحو العازف مسددًا إليه نظرات كراهيةٍ ووعيد:
- لو سمعتك تاني تغني الأغنية ح أكسر ليك رأسك. فاهم؟
وما أن ابتعد حتى استعاد عازف الطمبور وقفته، واحتضن طنبوره بذراعه اليسرى، لتراقب عيناه الجاني وهو يبتعد مهزومًا، بينما أصابعه تعبث بالآلة بسلاسةٍ أدخلت الجميع جو الفرح السابق، ممهدةً لمواصلة الأغنية.
وهنا اقتربت منه اللمياء ومدت له منديلا، قبل أن تسأله بصوتٍ هامسٍ راجفٍ من الخوف:
- ما خايف يجي يكسر ليك رأسك؟
فأخذ المنديل ومسح جانب فمه ثم انحنى نحوها ليقول بثقة:
- ما تخافي! أنا عارفه كويس، ده من شُلَّة المتقمصين لدور "تشي جيفارا"، وأغلبهم حاليًا يتلظون بنيران السجون.
فرمقته بنظرةٍ مرتابة، لتتسع ابتسامته وهو يطالبها بدلال:
- يلا نواصل غناءنا، وليك عليَّ أعزمك على العشاء!
وواصلت اللمياء نظرتها المستفهمة لعازف الطمبور الذي سلب لبها بثقته، وتمرسه في العزف، وفلسفته السلمية، كما سلبت هي لبه بجمالها ورقصها التراثي المتمرس.
وعندما طال صمتها، انحنى ناحيتها وقال هامسًا أنه بعد تفاقم أزمة دقيق القمح وشحيح الخبز في المخابز، أرجعتهم أمه إلى أيام حياتهم القديمة في الريف أثناء عيشهم في الولاية الشمالية، فعادوا يستمتعون بأكل "كِسرة الفَتَريتة"، فالتمعت عيني الفاتنة وهي تستمع إليه، فواصل كلامه بفخرٍ، ليؤكد لها أن والدته ستكون في قمة السعادة أن تعوس لهما هذا المساء كسرة لتقدم لهما وجبة مفيدة من لدقيق الذرة الأحمر، إن وافقت على دعوته على العشاء معها في البيت.
فوضعت الليماء يدها على فمها خجلًا، مستنكرةً في سرها أن يدعوها من أول يوم تعرف عليها فيه إلى بيتهم لكي يقدمها لوالدته.
وعندما طال صمتها، قال ليطمئنها:
- صدقيني "كِسرة الفَتَريتة" طعمها حلو.
قال ذلك لظنه، أنها من بنات العاصمة المرتاحات، اللواتي تربين على أكل الخبز الأبيض الآلي المخبوز بالدقيق الأسترالي، ومعجنات البيتزا والحلويات الشرقية والغربية. ولما أخبرته أنها أيضًا عاشت في الولاية الشمالية، وخبرت "كِسرة الفَتَريتة"، كما خبرت مثله، ركوب الحمير، واللعب بالطين والركض بين الجروف، وصيد اليرقات قرب حقول الذرة الشامية والفاصوليا والبصل، لم تسعه الفرحة، فتهتف بحماسٍ:
- يلا نواصل الغناء، وأوعدك ح تأكلي الليلة لمن تشبعي.
فابتسمت بغنجٍ ثم قالت بدلالٍ:
- أكيد ح أشبع طال ما ح اقابل أمك. وبعدين الفَتَريتة مالها؟ أهو نعمل "ريجيم" ونوفر قروش العيش الغالي، والمعدوم من الأفران.
Tasnim Taha
**-**
اللوحة: للفنان التشكيلي السوداني طارق نصر عثمان
[1] آشْرِي" تعني "جميلة" باللغة النوبية الحلفاوية.
شكرًا على التوثيق.
ردحذف