قصـــة قصـيرة
كــر وفــر
طيش الشباب، حب الأنا النرجسية التي اتبعها صبار ، كانت واضحة من تصرفاته، تمرد على كل شيء من حوله، وأولها قيم عائلته العشائرية المحافظة، رغم أنهم يتمتعون بحالة معيشية جيدة ومركز اجتماعي، لكثرة تردده على أماكن السهر الليلي والمجون، تأصلت في نفسه نزعة التسلط ، وصل به الأمر أن يكون كبير البوهيما (الكيوليه) أذعنوا له أخذوا يطيعون أوامره، يحتكمون اليه في خلافاتهم، كان يمتلك لغة ساحرة ولسان معسولاً، يشرف على حفلاتهم الليلية، يتوسط الجميلات ، يتهاون عليه بحركاتهن المتمايلة، وملابسهن الخفيفة يظهرن فيها شبه عاريات، يختار مايشاء منهن ليقضي ليلته معها ، وعلى هذا الحال، لا أحد يستطيع ردعه.
ينتحل شخصيات يبدع في تقمصها فما يمتلكه من لغة ساحرة لاينكشف ، يرتدي بزة الطيران ، برتبة ضابط هو يجوب الأسواق، يدّعي شخصية صاحب منصب مرموق في الدولة..
عندما كان مارّاً من أمام دار عائلته الكبيرة، شاهد تجمعاً محتشداً وحركة غير طبيعية اندفع مسرعاً لمعرفة ماذا حصل، شاهد من بعيد جنازة عليها العلم العراقي،، انتبه لنفسه، تذكّر أن أخاه في جبهات القتال كان هذا في ثمانينات القرن الماضي، رجعت ذاكرتك ، صاح بصوت عال: -" من هذا المسجى؟!
قالوا:
-"أخوك عبد الستار!
لطم وجه مزق ملابسه، تعاطف الجميع على حالته، كان انهياره لايوصف ، هو يحب أخاه، ولم يجد سوى الصراخ والعويل تعبيراً عن صدمته،
كان أمام أنظار جهاز الأمن ورجال الحزب الحاكم وهم يتزينون بجميل ملابسهم الزيتوني، أثارو حفيظته، هو جريء لايهاب أحد، أخذ يسب رأس الدولة ونظامها ، ويشتم الموجودين من رجال الدولة، وهم مطأطؤ الرؤوس، لم ينبس أحدهم ببنت شفة، مر التشييع بسلام، اكملت فاتحة الشهيد، القي القبض عليه، بتهمة سب رئس الدولة وأهانة رجالاته، بعد الجلد وأساليب التعذيب التي كانت قائمة، أحيل الى محكمة صورية، حكم 20 سنة، ألقي في السجن الخاص، شاهد السجناء وهم يعاملونه بلطف والأخلاق الحميدة، عكس ماكان يتصوره.. عندهم نكران الذات، الإيثار، التضحية، أخذ ينظر الى بديع ما يعملون، يتابع صلاتهم وقيامهم الليل والتهجد، قراءة القرآن، اخذ يوجس منهم خيفة، قد يكونون يراقبونه، لكن بعد معرفته بهم زاد حبه لهم، دعوه للصلاة معهم، علموه جميع العبادات، أصبح عابداً زاهداً، تبين له أن الذين معه كلهم علماء.
بعد أن مضى على سجنه أكثر من سبع سنوات، أصدرت الحكومة عفوا عاماً، خرج صبار على أثره من السجن، استمر على نهجه في عبادته وزهده، يقيم الليل عابداً متهجد، مواضباً على الفرائض والنوافل، كان مراقباً من رجال الدولة آنذاك، أزدادت شعبيته،التف حوله الشباب المؤمن، وأبناء منطقته، كان لوعظه وإرشادة الاثر الأكبر في نفوس الشباب.
ذات يوم جمع عائلته بعد أن أوصاهم بما عنده، قال لهم:
-" إني مفارقكم هذه الليلة، لم يصدقوا ما قال، حين أسدل الليل أستاره، وكما كل ليلة خاشعاً على صلاته، داهمه رجال الأمن ارادوا الدخول الى الدار، لكنه أبى دخولهم - إن للبيت حرمة-
- "بحيازتك كتب دينية ممنوعة."
- لايوجد عندي ماتدعونه، دعوني أعزل نسائي عن طريقكم
- ندخل بالقوة شئت أم أبيت .
- سيكون دخولكم على جثتي.
غضبوا جميعا كان تدافعهم بكل شراسته، استولى على سلاح أحدهم فكان كر وفر، ولاتوجد مسافة أمان بينهم، يحاول جاهداً وصول إصبعه على الزناد، ضرب كبيرهم بأخمص البندقية، استشاطوا غضباً، أطلق عليه النار أردوه قتيلاً مضرجاً بدماءه الزكية وهو يدافع عن عرضه. انتهت.
مهدي الجابري .. العراق.
.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق