الخميس، 8 يوليو 2021

وشمٌ على معصمِ الموتِ بقلم// عبد الرحمن بن إلياس

 وشمٌ على معصمِ الموتِ


الأمر مهولٌ حين تخرج من بين جبهتين عظيمتين مدمى القدمين، مفقوء العينين، جراحك تثعب دمًا، والسهام تطرز ظهرك تطريزًا، لكن يهون الأمر حين تتذكر أنّك ناضلتَ من أجل أنْ ترفع غصن زيتون لتحطّ عليه الحمائم الوديعة. 

أخبرتْني جدتي مرة حين كنت شابًا أنّ معتركات العشائر شبيهةٌ جدًا بعالم الأموات؛ لا يدرك ماهيتها إلا من تجرّع مرّها إلا أنّها تختلف في بعض الملامح فالموت قد يكون من أجل سبب نبيل، أما معظم معارك العشائر أسبابها تافهة.. 

كنتُ عائدًا من مدينة الموصل بعد نهاية الاختبارات الجامعيّة إلى قريتنا التي تقع غرب المدينة قريبًا من دجلة.. فوجدت أمرًا كدرّ صفو البال، وأشغل النفس بالبلبال، مصفرةٌ وجوه القوم والدموع تطرز سود الهدوم، كأنّ لعنة حلّتْ، وسعادة تولتْ، خُيل لي أنّ رجلًا مات أو امرأة لكنّه خيال فقط فقد قتل من قريتي أربعة، ذهلتُ لما علمتُ، وحدّستُ أنّها مسألة شرفٍ أو عرضٍ، لكنّ حدسي خاب.. 

فقد علمتُ من أمّي أنّ صبيان المحلة كانوا يلعبون كرة القدم في الفسحة القريبة من منازلهم ثمّ اختلفوا بينهم فتشاجروا فحمل واحد منهم حجارة صغيرة وضرب بها صبيًّا فشجَّ رأسه وسال دمه فتفرق الصبية خائفين وعاد الصبيّ إلى أهله، ولمّا رأته أمّه صرختْ واستنكرتْ واستغاثتْ بزوجها فهرع مسرعًا نحوها فطار لبّه حين رأى الدم وثارتْ نفسه فحمل بندقيته وقصد بيت الصبيّ الضارب.. 

حين دخل وجده لائذًا بظهر أمّه فصرخ بها أنْ تبتعد لكنّها جثمتْ في مكانها وأبتْ إلا أنْ تحمي ابنها فأطلق رصاصاتٍ أردتها وابنها قتيلين امتزجتْ دمائهما، واعتلى عويل كلّ من في البيت إلا الجدة! التي رأتْ ما جرى ففار الدم في عروقها وتداركتْ الرجل بعدما تولى عنهم بضربةٍ في قفاه بالهاون الذي كانتْ تدقّ به القهوة فسقط الرجل مغشيّا عليه ثمّ مات ولحق بمن قتلهم قبله.. 

تأخر الرجل على أهله فتوجستْ زوجته فبعثتْ ابنها الأكبر بإثر أبيه، حين وجد أباه ميتًا معفرًا بالتراب هاج وماج وأخذ سلاح والده وقتل الجدة به حين علم أنّها حي قاتلة أبيه، وكان يعلم أنّه سيقتل إنْ بقي فأخذ أهله وهرب إلى الجنوب وهرب بعده أعمامه الأقارب.


كان القاتل من أقارب المقتولين لأنّ القرية بنسبها تعود لرجل واحد ولكنّ القرابة في مثل هذه الأمور تتلاشى.. بعد أيام على الحادثة شهدنا اجتماعًا كبيرًا لشيوخ القرى المجاورة مع قريتنا حكموا على أعمام الرجل الذي قتل العجوز بأبيه القاتل بالجلاء عن القرية طول عمرهم وهدر دم الرجل واثنين من عائلته أينما وجدهم أهل القتلة.

كنتُ من أقارب المقتولين وكنتُ أحدث نفسي عن امكانية العفو والصفح لأنّهم إنْ لم يعفوا فستبدأ سلسلة من القتل والترويع وسفك للدماء وحزّ لرقبة السلم والأمان لكن من يسمع فأب الغلام المقتول يغلي دمه ويريد ثأره المغلظ بعائلته.

بعد مدة من البحث عن مكان القاتل توصلوا له وعرفوا مكان بيته وأعمامه وقرروا أنْ يأخذوا بثأرهم، فسافر والد القتيل وأخوه متقلدين بالرصاص والغضب، وفي تفكريهم تثور زوبعة الحمية. 

حين وصلا منطقة الأهوار التي فيها غرمائهم تنكروا بزيّ الصيادين وركبوا زورقا صغيرا واقتربوا جدًا من بيتهم القصبيّ العائم حين كانوا مجتمعين على الغداء الذي لم يذوقوه فقد ملأوا صحونَهم بدمائهم وقتلوا منهم خمسة.. ولأنهم مهدورة دمائهم فقد كانوا على حذر لكنّهم غدروا بهم. 

سمع أهل البيوت المجاورة لهم والذين كانوا بحمايتهم صوت الرصاص فخرجوا بالأسلحة ورأوا المقتلة فلحقوا الرجل لأنه قتل المستجير بهم فقتلوا ابنه وطعنوه لكنّه نجا بدمه، فصارتْ أطراف الدم ثلاثة وتوالتْ بعد ذلك حلقات القتل فكلما حظي أحدهم برجل من غرمائه قتله فيزيد الثأر وتتسع رقعة الدم، حتى أصبح عدد المقتولين فوق المئة رجالًا ونساءً وكان ممن قتل أخي وابنه اللذين لولا منّ ربي عليّ لقتلتُ من قتلهم أو من يقربهم لكنّ حسّ الأمان كان يطرد الفكرة من رأسي كلما عادتْ أو أعادها أحد. 

كنتُ أدرك أنْ هذا سيحدث وأنّ مزيدًا من الدم سيراق إنْ لم نسعَ في الصلح، فبدأتُ أبين سوء الحال وتطوره إنْ لم نضع له حدًا لبعض العقلاء ممن هم في سني، فوافق بعضهم ونهرني الكثير ووصفوني والجبان، وعديم الغيرة والشرف، وأوصاف أخرى.وعرضتْ الأمر الذي لم يكنْ سهلًا عليه عرضه على بعض كبار السن الذين تشربوا بالعادات القروية ولم أجد من معظمهم إلا السبّ والشتم حتى أنْ واحدًا منهم ضربني بعقاله حين كلمته عن الصلح وقال لي:

ـ هل فقدتَ رجولتك؟ 

ـ لا يا عم، ولكن سيل الدماء سيجرفنا إنْ لم نوقفه. 

ـ دعه يجرفك فمن مثلك حري به الموت، أنسيت أخيك؟ 

أدركتُ أنّه لا جدوى منهم فعدتُ إلى أمّي وارتميت بحضنها مهمومًا فجعلتْ تربّتُ على شعري وتقول: أعلم أنّك تسعى للصلح ولكنّها الدماء يابني،.. وبالرغم من نار الأسى التي أُضرمتْ في صدري حين قتل أخوك وابنه لكنّي سأعينك وأحتسبُ الأجر عند الله، طار قلبي فرحًا فهي أول من أيّدني من عائلتي وقلتُ لها: 

ـ كيف؟ 

ـ سأدلّك على رجل أعلم رجاحة عقله وسيساعدك كثيرًا ولن يخذلك. 

ـ أين هو؟ 

ـفي قريتنا. 

لما أخبرتني عنه ضربتُ جبهتي بيدي كيف أنسى هذا الرجل لا شكّ أنّه راجح العقل إنّه إمام مسجدنا أبو الفضل متزنٌ في رأيه قوي المنطق ولديه ثقافة واسعة كونّه درس في أكثر من دولة عربية في علوم الدين، فقصدته مباشرة وطلبتُ من أمّي الدعاء. 

حين كلمته بخصوص الإصلاح استهلّ وجهه وتبسم وقبلني على رأسي وأخبرني أنّه يسعى في الأمر مع رجال آخرين فأخبرته عن الشباب الذين أيدوني وساعدوني وصرنا نجتمع كل مدة ونحاول استقطاب أكبر عدد لكي نطفأ نيران الموت.

نجحنا بعد جهدٍ مريرٍ جدًا بأقناع الكثير من ذوي القتلى وترغيبهم بالأجر في الآخرة، والثناء في الدنيا وبدأنا نعمل على الأتصال بالطرف الآخر ومن أجاروهم وهم طرف في القتال أيضًا كان الأمر أصعب مما تخيلنا فلم نجد من يودّ الصلح منهم إلا القلة القلية، حتى كنا نيأس أحيانا لكنّ أبا الفضل كان يمدنا بالطاقة الإيجابية وأنّا قطعنا شوطًا لا يجدر بنا التراجع بعده، وأمي التي رحلتْ وكلمتْ عددًا من النساء اللاتي تعرفهنّ كي يساعدنّنا في إقناع بنيهنّ وأولادهن بالصلح. 

وبعد شهور من العناء والمشقات في طريقنا توصلنا لبادرة الصلح والسلم فقد اتفقنا مع الجميع بموعد للشيوخ وكبار السن بحضور شيوخ آخرين ورجال دين من غير اهل الدم من أجل الاتفاق على صيغة، وفعلا تمّ الاجتماع وتنازل العقلاء عن دم ذويهم ورضي بعضهم بالدية وتم ما أردنا وعاد الفرح على وجوه أهل القرية وعاد إليها من غادرها من قبل، وأقاموا الولائم كي تتوطد المحبة وتصاهروا وتناشبوا وعادوا لصفوهم، وعدتُ أنا وأبو الفضل ومن معنا من الشباب ظافرين بالنصر.


عبدالرحمن بن الياس/العراق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق