عيد بنكهة الفراولة
جمع أبي إخوتي حوله وقال:
هذه السنة زارنا القحط وماتت الشياه ولم يعد في زريبتي هذه ما يغنينا عن الجوع، وقد أقبل العيد وليس لنا ما نجعله أضحية نتقرب بها إلى الباري تعالى، وأنتم الستة عصبة البيت وأساسه، أولادي قد قلت حيلتي ولم أجد الملاذ سوى أن أجمعكم اليوم من أجل التفكير في شيء علينا إخراجه صبيحة العيد كي لا نفقد المكانة التي كنا عليها من عهد الأجداد، تذكرون جدكم أحمد؟!، قالوا: نعم يا أبي، نذكره وقد كنا صغارا، ونفتخر بكرمه ونحن الآن قد أسمانا والدنا العصبة.
قال: كان يقدم الذبائح صبيحة عيد الأضحى، فلا يبقى فقير إلا وأطعمه لحما وكبدا وشحما، و لم تكن هناك دار دون إيدام ورائحة المرق تنبعث من كل حدب وصوب، حتى أسمت القرى المجاورة قريتنا باسم المأدوبة الأحمدية.
الآن يا أبنائي أكل الجفاف منا وشرب، وهتك الجراد حمولتنا، فلم يبق في المطامير سوى حبات زرع وقمح قد تغير لونه عوض أن يأخذ لون السواد ليصبح حموما أصبح أخضرا فاسدا.
كنت حينها شابة في السادسة عشر من عمري، أنصت بامعان شديد لأبي، لقد ألّم به الهم فقد تعود أن يكون جوادا كريما، ولكن الظروف أجبرته هذه المرة على أن يخجل بفقر الأرض والسماء عليه، كنت أفكر وأفكر كيف يمكن لرجل أن ينقذ صفوة ما تركه له أجداده في مثل هذا الحال الذي حوطه فلم يجد لنفسه مخرجا منه.
تذكرت يوما قول أمي رحمها الله والتي فقدناها العام الفارط، كانت تقول لي عبارة جميلة جدا، كانت أمي امرأة ناصحة تتمتع بالهيبة والوقار بين جل نساء قريتها، إذ شاركت في العديد من جلسات الصلح لترتب مكانة الزوجات في بيوت أزواجهن.
أمي امرأة ولا كل النساء، جميلة وهادئة ورزينة، يعلو وجهها نور كأنها قطعة قمر، الكل كان يتغنى بجمالها، وكان ذلك يزيدني فخرا، بعد وفاتها الكل بكاها لأنها كانت امرأة صالحة،وأقسم أبي أن لا يتزوج امرأة غيرها لأنه يقول أنها امرأة نادرة.
أعود إلى عبارة أمي الشهيرة، كانت أمي تقول: يا بنت المرأة الذكية تتدخر لأيام العوز والفقر والقحط، تعلمي يا فتاة أن تكوني جاهزة لأي ظرف من ظروف الزمن، تعلمي يا فتاة أن لا تتركي رجال بيتك يواجهون المصاعب وحدهم، تعلمي يا فتاة إن فقد الرجل عندك الحيلة فلتكوني أنت حيلته، فيعود من بؤسه كارها ليجد عندك الفرح والحلول.
آه يا أمي يا سيدة النساء يا حبيبتي، كلامك لي كان كالدواء.
وأبي في حيرة من أمره إذ تذكرت مخزون الفراولة فقد قمت بتخزينها وفقا لما علمتني أمي وقد وضعتها في مكان لا تصل إليه شمس الضحى، ولا شمس القيلولة.
وإذ بدا إخوتي في دهشة واستغراب من حال أبي الذي كان متعبا، يضع يده على جبهته ويهز رأسه يمينا وشمالا متأسفا على الحال التي وصل إليها؛ نطقت فجأة:
أبي؛ أبي أنظر إلي، أبي لا تحمل هما، ليس شرطا أن تتصدق بالأضحيات يوم العيد لأن هذه السنة الكل لن يستطيع توفير قطعة لحم بسبب القحط، الجوع محتم يا أبي، لكن لدي الحل؛ أبي يعدل جلسته وينظر إليّ نظرات كلها فرح كأن أمرا جميلا تجلى على محياه.
إخوتي ينطقون جمعا: مالذي تقولينه يا نرجس؟!، هيا هات ما عندك!!!.
ابتسمت وقلت: هناك مخزون من الفراولة يكفي القرية بأكملها.
أوصتني أمي قبل وفاتها بأن لا أترك البيت دون مخزون كل سنة، فقمت بملء المخزن بالفراولة.
أبي: يا ابنتي الفراولة تفسد ولا يمكن تخزينها...لا يا أبي علمتني أمي طريقة لتجفيف الفراولة ويمكن استهلاكها بعد أشهر من تخزينها فلا تحتار في أمر كهذا.
فرح والدي فرحا وقمنا صبيحة العيد باخراج الفراولة المجففة من المخزن وتوزيعها على الفقراء، وكانت فرحتهم لا توصف،
وكانت عيدا بنكهة الفراولة.
بقلم الأديبة بوزوادة نعيمة
الجزائر/ وهران
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق