الجمعة، 23 يوليو 2021

صمود بقلم // نفيسة العبدلي

 صمود

ولجت المرأة الشابة غرفتها مستقبلة أحزانها.جالت بنظراتها في كل ركن من أركان المكان العابق بالرطوبة.فتحت الخزانة وأخرجت معطف زوجها،احتضنته...تشممته وكأنها تبحث عن نفس للحياة في رائحته...دست يدها في جيب ذاك المعطف وأخرجت آخر رسائل زوجها...رسالة وداع و دعوة للتحلي بالصبر والجلد،أثارت شجونها وتغلغلت لواعجها،فالطريق أمامها ماتزال وعرة...مسحت ما تبعثر من دموع على غضاضة وجنتبها وخرجت متصنعة الإبتسام أمام صبيتها.

أعدت لهم بعض الخبز وبدأت تلقمهم اللقمة تلو الاخرى مغموسة بزيت الزيتون مرددة في كل مرة :"كل يا صغيري! كل لتكبر"...نظراتها...يداها اللامعتان من آثار الزيت...كلماتها الرنانة؛ علمت الصبية وشحذت عزائمهم...فتحت النافذة المطلة على شجرة زيتون يانعة:"انظروا يا أبنائي.إنها صامدة.إنها كل ما بقي لنا من روح والدكم...أوصانا برعايتها، فهي منبع الحياة."

ظل الصبي يسقي الشجرة المباركة ويشذب أغصانها،ويحتضنها كلما اشتاق لحضن أبيه..

خرج الصبي من تحت الأنقاض، نفض عنه الغبار والأتربة ونظر حوله فلم ير غير ركام وغشاوة بيضاء حجبت عنه الرؤى ...لم يتذكر شيئا غير بدء إطلاق النار وقصف هز أركان البيت...هو لا يذكر غير مناوشة عنيفة بين أمه وسائق الجرافة في محاولة بائسة لثنيه عن اقتلاع شجرة الزيتون وحرقها...الطفل لا يذكر غير يده التي امتدت في غفلة من السائق لتقطع غصنا ذا براعم...

هرول الصبي نحو رابية عالية مترجة بأشجار الفلين والصنوبر...أخرج من تحت قميصه غصن الزيتون غير مبال لما خلف له من خدوش على صدره النحيل .تمت غراسة الغصن المضرج بدمائه بنجاح فنظر إلى الشمس متوسلا ،راجيا منها أن لا تكون وهاجة فتحرق حلمه...فغمزته في حنو..أوصى أشجار الرابية بأن يمنحوا  ذاك الغصين الظلال والرواء فتمايلوا وأعلنوا الموافقة...غادر المكان آملا أن يعود إليه ثانية ...أما الآن، فعليه أن يشق طريقه ويلتحق بصفوف الأحرار...فهو باق ما بقي غصن الزيتون...

نفيسة العبدلي/تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق