نداء الروح الجزء(3)
ماهي الفطرة؟
بسم الله واسع النعم والحمد لله أن من الله علي بأن برأني من النسم ولم يذرأني مع النعم، ثم الحمد لله بما لا يحصيه القلم أن جعلني فردا من أشرف الأمم وأصلي وأسلم على أكرم الأدم سيدي وقرة عيني محمد كامل الشيم عدد ما أحاط به الله من العلم.
و بعد:
لست أدعي العلم ولا تفسير القرآن وكل ما يجري به قلمي على هذه الصفحة إن هو إلا وجهة نظر واجتهاد أحله الله، بل وعد عليه بالأجر على لسان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأن من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد ولم يصب فله أجر واحد.
نظرا لتقصيري في الاطلاع على كتب الفقه والتفسير لساداتي العلماء، لا أقول بأن اجتهاداتي المتواضعة لم يتم تداولها من قبل وبشكل أكثر تطورا وعمقا.. ويبقى المهم بالنسبة لي أن أشارك بكلمات من الروح ومن وجهة نظري الخاصة من أجل أن يكتب الله لي بها أجرا عنده ان شاء الله.
كلما تفكرت في خلق الله وكلما ازددت استشعارا لعظمة الخالق.. كلما استصغرت نفسي أكثر.. وأكثر.
أتعمد أحيانا تأمل نموذج تعليمي عن الكرة الأرضية.. أبحث بين خرائطها وتشعباتها عن وطني الحبيب.. ثم أتساءل بحيرة من أكون وسط كل هذا الخضم؟ من يكون الانسان لو لا عقله وما جبله الله عليه من الفطرة ؟
الانسان رغم ضآلته حتى لا يكاد يبين، هو سر الوجود فيفنى الكون العظيم بما فيه و تبقى الروح.
من الواضح في القرآن الكريم بأن مظاهر النهاية بما فيها من هول هي مؤشر عن بداية حياة أخرى حياة تحوي خطر المصير وخلود الروح دون غيرها لأنها من روح الله فيستحق القائم بعهد الله رضوانه.. ويستحق الكافر به إهانته، الانسان الذي يستحق أيضا وفقا لذلك أن يبعث الله جسده لتشهد له أو عليه أعضاؤه وحواسه التي ينطقها خالقها كلون من ألوان القهر الالاهي.. هذه الحواس التي كانت أثناء رحلة حياته تستعبده بالأهواء والشهوات.. والتي كلما قهرها بنهيها عن المنكرات في الدنيا كلما كان ذلك لمصلحته في الآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
هذا الاستثناء الذي يجب أن يستوقفنا.
القلب السليم في اعتقادي هو الفطرة التي هي قلب القالب ككل لدى الانسان والتي جعل الله مقرها القلب لأنه أشرف الأعضاء ولأبعاده الرمزية القابلة للتحليل والتأويل انطلاقا مز وضيفته العضوية المعتمدة على ضخ الدم لسائر الجسد حتى أنه أول الأعضاء تكونا لدى الجنين وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم "في الجسد مضغة ان صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"
أصل سلامة الفطرة من الله بينما صلاحها أو عدمه موكول للانسان لأن القلب الذي هو نواة الشيء وأساس الكيان وجوهره، والجسد هو كل الجوارح التي تنقاد وفقا لما يمليه عليها القلب من صلاح أو فساد.
سلامتها ونقاء جوهرها الذي أودعه الله أسرار نفخته تخول للانسان بالاستعانة بالعقل معرفة خالقه التي هي أسمى غاية من خلقه والشاهد عندي أن الفطرة تحوي من أسرار أسماء الجمال لدى الله بما فيها من خير والتي هي بالتالي مفاتيح معرفته..
وبما أن الله تعالى قال في كتابه "ما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون" فإن عبادته تفضي لمعرفته لأنه كلما تقرب الانسان لربه تقرب الله لعبده وبذلك يتمكن من معرفته أكثر كلما تقرب أكثر فتوضحت لديه الرؤيا.. ليتوصل لمحبته وبالتالي لما هو أرقى من مخافة ناره أو الطمع بجنته وهي النظر لوجهه الكريم حبا وانصهارا..
سلامة الفطرة في أصل طهارتها من الشرك الظاهر والخفي. ويبقى تطهير المؤمن لها من أسباب غواية النفس والشيطان ما أمكنه. لتكون بذلك رحلته في الحياة الدنيا رحلة ارتقاء روحي استجابة للعهد الأول مع الله.. والذي يتحقق بالمجاهدة والصبر، قال تعالى "قرآن كريم لا يمسه إلا المطهرون" المس غير اللمس لأنه خفي متعلق بالعمق الروحي الذي لا نبلغه إلا بسلك الطريق إلى الله.. فنجاهد لنطهر ونطهر فنمس ما أمكن من عمق القرآن الذي هو ترجمة لما في الفطرة من الاستقامة والكمال الانساني لذلك قال الله تعالى:"نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ " لأنه يتصل لدى الرسول صلى الله عليه وسلم بفطرة الانسان المتميز عن غيره بالكمال الذي يجعله نموذجا لا يتكرر وهو ما يفسره عملية التطهير التي قامت بها الملائكة لما شقت صدره الكريم واستخرجت من قلبه قطعة سوداء وهي باعتقادي أنانية البشر التي هي جذوة النفس وأساس كل شر أو مرض قلبي قد يضر بسلامة الفطرة.
جبل الله الانسان على الخطإ ليستعمل عقله الذي يعيده لفطرته فيجد أبواب الرحمة باستغفاره وعدم اصراره على الذنب حتى أن الله يبدل سيآته حسنات وهذا دليل أنه لم يخلق الانسان ليكون ملاكا ولو اراد ذلك لفعله.. لذلك فإن الأفضل من أن يكون الانسان الملاك، هو أن يكون الانسان الذكي الذي يصنع من فشله قاعدة اقوى للانطلاق ومن اخطائه هاجسا يتحول إلى حافز يدفعه للأمام.. بعنف أحيانا فينكب على وجهه بينما يطلب الاستقامة.. ويستمر مع ذلك.
ذكره للمال والبنين في الآية تحذير واضح بما أنهما عنصران أساسيان في رسم معالم المصير حسب طريقة تعامل الانسان مع مكبلاته المادية والمعنوية، ولما فيهما من خطر وقدرة على التأثير بما قد يهدد سلامة القلب(الفطرة) وذلك بصرف الجوارح عن العبادات والتقرب لله إلى زينة الحياة الدنيا، لذلك إستثنى الله من أتاه بقلب سليم بأنه ينتفع بماله وبنيه لأنه يوضفهم بما فيه مصلحة الدنيا الزائلة وصلاح الآخرة الخالدة. هذا والله أعلم.
سامية برهومي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق