الثلاثاء، 17 أغسطس 2021

بقلم/ باسم عبد الكريم الفضلي العراقي تناص العتبات العنوانية داخلياً / مفتاحية النص الغائب }

 { تناص العتبات العنوانية داخلياً / مفتاحية النص  الغائب }

....................- دراسة تحليلية - ..............

في نص"سقراطُ يموتُ واقفاً !" للشاعر"عبد الجبارالفياض "

النص :

(( يبابٌ

يرقبُ غيمةً في ساعةِ طَلْق . . .

أقزامٌ

يقتسمون هواءَ المدينة . . .

تموجُ بما لم تألفْهُ من قبلُ أروقةُ المشائين . . .

من أينَ جاءَ هذا الدّميمُ بأتعسِ ما رأتْ عيونُ النّهار؟

يقلِبُ ما قد غارَ في جماجمَ مذ التصقتْ بها الأسماء . . .

قيّدوه . . .

إنًّهُ يُلقي الحَصى في بحيرةٍ راكدة . . .

يُفسدُ علينا ما نحنُ فيه . . .

لا تدَعوا لهُ قدَماً في مجلس

فانفاسُهُ غيرُ الأنفاس . . .

إنَّهُ ينتصرُ لدمامتِه

بخرقِ ما نراهُ جمالاً !


قُضاةَ القصر

بيدِكم تُستَلُّ من تحتِ لذتِها الخطيئة

يُدارُ دولابُ القَرارِ لبوصلةِ الشّرفةِ المُنيفة !

حيثُ الظّلامُ يصنعُ توابيتَ بلا أسماء . . .

مالكم

علقتُم الكلمةَ من ثدييْها

حتى تساقطَ لحمُها في أفواهِ السّفهاء !

كأنَّ الأمسَ روحٌ مقدسةٌ لا تُمسّ

تُحرقُ حولَها الفصولُ الأربعةُ بخوراً بترتيلةِ الوَلاء . . .

خذوا هذهِ التي أتنفسُ بها

لكنَّكم لنْ تأخذوا ما باحتْ بهِ لهذا الكون . . .

تبّاً لعصرٍ

يُخنقُ على الأشهادِ شاهدُه . . .


لم يعلُ الموتُ قامتَهُ القصيرة

اصطحبَهُ بثباتِ قِممٍ

يرتقيها

لكنَّهُ

يظلُّ بجوارِها مملوكاً . . .

يَسرُّهُ :

لا يليقُ بعظمتِكَ أنْ تكونَ تافهاً إلى هذا الحدّ . . .

بئسكَ أنْ تُسكبَ سُمّاً في قعبٍ من فخار . . .

أغلقَ عينيْه . . .

القابعون فوقَ التّل

ليسَ لهم أنْ يقتربوا من حافرِ بَغل . . .

ليتَّهم يغادرون خوفَهم قليلاً

ليروْا أنَّ الحرَّ حينَ يموت

يُكفَّنُ بورقِ الشّمس !

صرخةُ الأمواتِ

تسمعُها إذنُ الطّغاةِ فقط !


السُّمُّ

يرسمُ لوحةً مفتوحةَ الأبعادِ

تُرى بعينِ كُلِّ العصور . . .

ليسَ كوجهِ أثينا وجهٌ

تغادرُهُ كُلُّ الألوان جليداً أسود . . .

رجعتِ الشّمسُ إلى بيتِها بحفنةٍ من حزن . . .

كيفَ يُقشطُ ندمٌ تخثّرَ في حنايا مُعتمة ؟

لاتَ حينَ نَدم

فلا يُغفرُ لسهمٍ خرقَ حنجرةً

هتفتْ لانسانيّةِ الإنسان ! ))


الدراسة :

لما كنت لااقول بانغلاقية النص ، او موت مؤلفه بعد فراغه من كتابته ، فقد انسقت وراء مابعثته في ذاكرتي بنية عتبة هذا النص العنوانية ( سقراط يموت واقفاً ) الموحية بإنسانية الثيمة ، من تداعيات قرائية لبعض آثار الكاتب الشعرية التي اطلعت عليها فإذاي اخلص الى انه قام بتناص داخلي ، بين هذه العتبة ، وعتبة اخرى موازية لها تركيبياً ودلالياً بعنوان ( السياب يموت غدا ) تعود لنص مخصوص الثيمة ، كان الشاعر قد كتبه سابقاً ، لتتشكل من هذا التناص ملامح نص غائب يشي بالمقاصد الحقيقية التي يضمرها ذلك النص السقراطي ،الذي سنشتغل على التعرف عليه في نهاية دراستنا ، ويتمظهر هذا التوازي العتباتي سيميائياً في عدة مستويات هي :

1 – مستوى البنية التركيبية لجملتيهما المتناسبتان* فيما يلي :

– تماثلهما في الثبوت والديمومة والاستقرار، فكلتاهما اسميتان .

– تشابه عناصر بناء الجملتين في سياقهما التعبيري ، عددياً / ثلاث اشارات ، تسلسلياً و تراتيبياً / تجاورياً ( اشغالها

ذات الموقع في الجملة ) ، وكما في هذه المقاربة الاسنادية لهما :

اشارة اسمية مسند اليها ( سقراط / السياب ) + اشارة فعلية مسند / يموت +الاشارة ( واقفاً / غداً ) اشارة قيدية تركيبية ( القيود : اشارات تحدد معنى الجملة ) مع وجود ( استبدال ) هنا .

– تماثل البنية الصوتية للاشارتين البؤرويتين ( سقراط / السياب ) ، على مستوى الوزن الايقاعي ، واصوات حروفهما الداخلية ، كما يلي :

– وزنهما الايقاعي :

سقراطُ / سيّابُ ( بعد حذف ال تعريفها كونهما حرفين مزيدين ) :

كتابتهما عروضياً : سُقْرَاطُو / سَيْيَابُو

تقطيعهما : متحرك / ساكن / متحرك / ساكن / متحرك / ساكن

الوزن : مفعولن

– اصوات حروفهما الداخلية :

سقراط ………: مهموس / مجهور / مجهور / مد / مجهور

سيّاب / سيياب : مهموس / مجهور / مجهور / مد / مجهور

2 – مستوى البنيتين النحوية والزمانية :

تطابقت الاشارتان البؤرويتان ( سقراط / السياب ) في نوع التعريف / اسمان علمان ، والموقع الاعرابي / كلاهما مبتدأ مرفوع  ، خبرهما ذات الجملة الفعلية / يموت ، و مضارعية الفعل دلالة على استمرارية اثره في الوقت الحاضر مع انفتاحه على المستقبل .

3 – مستوى البنيتين الصرفية و الدلالية :

– سقراط : في سياقها المقامي / تاريخ الفلسفة :

بتكثيف رمزية سقراط الفكرية و اشتغالاته الفلسفية : معارض لحكومة الطغاة والنبلاء الاثينية ( نسبة الى اثينا ) وديمقراطيتها المنحرفة ، بثوريته الهادفة الى تحرير العقل من الجهل و هيمنة الفكر اللاهوتي ، فهما سبب الاثام والرذائل ، وان الحقيقة وتحقيق العدالة والفضيلة انما يكون بالمعرفة والتخلي عن ماقبليات الاعراف والتقاليد البالية ، وكان ( الجدل ) سلاحه المبتكر والناجع في ميادين حواراته مع خصومه وحلقات دروسه ، حتى صار اكبر خطر يهدد عرش السلطة الشمولية الحاكمة ، فاتهمته بالهرطقة وافساد عقول الشباب والسخرية من قدسية الالهة فحكمت عليه بالاعدام بتناول السم ،     

 – الاشارة يموت : دالة فعلية ، مخادعة مضللة في حقيقة داليتها ، فحقيقة البنية الصرفية لفعلها الثلاثي المجرد مبنية للمجهول / مِيتَ ، لا مبنية للمعلوم / مات ،لأنه من الافعال المبنية لغير فاعل (على غرار : أُغميَ عليه ، جُنَّ ، وُلِدَ ، أُعدِم …الخ ) ، وهذا يعني ان هناك فاعلاً حقيقياً متوارياً هو من يقرره ويقدّره على اخر ظاهر في الجملة ظهوراً مجازياً ،فحين نقول مات فلانُ بالسيف : ففاعل وعلة ( الاماتة ) الحقيقي هنا هو السيف الذي سلب حياة ( فلان ) الذي توهمنا الفاعلية فيه لوروده مرفوعاً بعد الفعل ( مات ) ، واسناد فعل الموت الى مسند اليه متوهّم ماهو الا تساند غير حقيقي ، وهذا الفاعل المتوارى ، اما ان يكون عاقلاً ( شخص ما / .الآمر بالإماتة ) ، او غير عاقل ( مرض ، حادث ، الخ ) ، فما من كائن حي يملك ان يتحكم بفعل ( الموت ) تقديراً او تقريراً ، الا بأن يخرجه من لزوميته ، وتعديته بإحدى الصيغ الصرفية المعروفة كالهمزة الاولية ، فنقول مثلاً : أماتَ الجفاف الزرعَ ، يُميتُ ) وهنا لابد ان تغدو جملة العنوان/ سقراط يُميتُ نفسه واقفا ) وفي هذه الصياغة ضعف حبكة ، فإماتة النفس / كمدلول ، يدل عليه معجمياً الدال / انتحر ، فتكون الصياغة اللغوية الانسب / سقراط ينتحر واقفاً ، لكن استخدام الشاعر لصيغة المبني للمعلوم ( يموت ) عنوانيا ، انما كان بقصدية الايحاء ان سقراط هو من قدّر الموت على نفسه بشمم ( واقفاً ) حيث قام الشاعر هنا بالتناص مع قصدية واقعة الموت السقراطي ( تناول سقراط السم المميت ، رغم مااتاحه له طلابه وانصاره من اسباب الهروب من سجنه ، قاصداً تأكيد على ان  الافكار السامية تستحق الاستشهاد دونها ) .

اما عتبة عنوان النص المتناص معه ( السياب يموت غداً ) : فهي ذات اشارات متعارضة ظاهرياً ، فالسياب كدال ، اشارة لها مدلولان :

ـ إحدهما لغوي : لقب انسان ( بدر شاكر ) ، دميم قبيح الخلقة ، مات بايولوجياً ( غياب نهائي لوظائفه الجسمانية ) ، و غادر الحياة ( الغياب الجسدي ) ، منذ اكثرمن خمسة عقود خلت ، والاشارة الظرفية المستقبلية ( غداً ) تتعارض مع هذا المعنى زمانياً .

ـ والآخر سياقي المقام : شاعر مبدع مجدد ( احدث ثورة ادبية بابتكاره الشعر الحر ) متعارض مع طغاة الحكام ، له رمزية و قيمة انسانية عابرة للزمن ( شاعر رساليّ متجدد الحضور ) ، وبالتالي تخرج الإشارة ( يموت ) ، من دلالتها التوقُّفية المادية ( الانطفاء العملياتي للاجهزة العضوية الفسلجية للكائن الحي ، وانتهاء زمنه المعاش ) ، الى رمزيتها الايحائية التصوُّرية ( الموت المعنوي / تغييب / محو الأثر ) ، وهو هنا موت مؤجل بدلالة ( غداً ) ، إيماءة إيحائية ، بوجود إرادةٍ ما قضت بإنقبار وإمّحاء اثار الرمزية السيابية ، كقيمة ( إنساشاعرية ) وطنية ميتا زمانية ، من الذاكرة والحياة ( الثقافكرية) العراقية ، وهي إرادة ( اخر ) نافذ القرار ، ولابدّ أن يكون :

سلطوياً ( فهو وحده من يقرر مصائر الآخرين ) .

مؤدلجاً ظلامياً ( بدلالة قراره الإفنائي لآثار تلك الرمزية التحررية التنويرية ) .

شمولياً ( لأنه لايتقبل نقيضه وجودياً ) .

التوازي بين الاشارتين ( يموت ) في العنوانين المذكورين ، متحقق في تقابل ارادة ( الانا ) السقراطية ، وارادة ( الهو ) الاخروية ، كما ان كلتي الاشارتين متعارضتا الدلالة الاولى / موت جسدي والثانية معنوي. بذا فان تمظهرية التوازي ( السُّقْراسيابي ) على المستوى المعنوي المقامي :

فكرحرانساني الثورة / خلق الحياة ، مقابل لقداسة سلطة شمولية مؤدلجة / وأد الحياة  

المقاربة التأويلية لهذا التقابل :

 الموت ( السقراسيابي ) محض وهم يشيعه اعداء الانسان لسلبه ارادته بالتحرر من نير فكرهم الظلامي

  فمن يصنع الحياة  يُخلد في الذاكرة الانسانية ، على الضد ممن يئدونها ويفرغونها من معناها ، فستُمحى آثارهم من صفحات الزمن خلا السوداء منها ، ويطويهم النسيان . 

نخلص من تحليلنا لمستويات التوازي بين العتبتين اعلاه ، الذي قارب الثماثل بين مركبات بنيتي جملتيهما  ان يكون تطابقاً ، ان الشاعر تقصد التناص بينهما ، ليبعث رسالة خفية مفادها ان النص الحقيقي  مغيًَّبٌ تحت سطح النص السقراطي (القناع ) ، كآلية  ( اتقائية ) وقائية تصيب بعمى الالوان عيون الرقيب السلطوي المتلصصة على ما بين سطور كل اثر مكتوب ، فتلقي القبض على كل حرف او اشارة  تشم فيهما رائحة تمرد او تتوهم تلميحاً بانتقادٍ او مسٍّ بجلال المؤسسة الحاكمة ،  مما سيعود عليه ( اي كاتب النص المارق ) بعظيم الأذى وفادح الخسران  .

ولما كان متن النص يفسر ويوضح دلالات العتبة العنوانية ويجيب عمّا تثيره من اسئلة كما يذهب (علم العنونة ) ، لذا فإن التناص بين عتبتي النصين المذكورين ، سيكون له تماثلاته المعنوية في الفضاء التعبيري بلْهَ ثيمة النص السقراطي ، حتى ليصح دلالياً تأويل اشاراته المحورية بما يتسق مكزمانيا مع الهم السيابي / العراقي ، ًذلك الهم الذي بسببه يسعى من اعتبره خطراً محدقاً بشمولية سلطته ، الى قتل / إماتة ، آثاره في الذات العراقية الواعية ً، وهذه التماثلات والتأويل هما ما انتجا النص الغائب ، الذي قصد الشاعر من ورائه ان يلبس  حقيقة  فكرته السيابية ( الهم الوطني ) جلباب سقراط تحاشياً للرقيب كما اسلفنت ومن هذه الاشارات المحورية :

  - الدميم /  ( من أينَ جاءَ هذا الدّميمُ بأتعسِ ما رأتْ عيونُ النّهار؟ ) : الدمامة صفة خَلقية ( سقراسيابية ) مشتركة بينهما  / توازٍ شكلي متماثل  

 - الدعوة السقراطية للثورة على الجهل ( يقلِبُ ما قد غارَ في جماجمَ مذ التصقتْ بها الأسماء ) ، واثارة وعي الناس وحملهم على كسر جمودية التفكير( إنًّهُ يُلقي الحَصى في بحيرةٍ راكدة ) و التمرد على قديم الاحكام والقياسات الفكرية الجمالية للاتيان بما هو جديد (بخرقِ ما نراهُ جمالاً ! ) ، توازي تلك السيابية

في يسارية معارضته للحكم الشمولي و ثورته التي قام بها في الشعر العربي ، بتحريره من قيود العروض و اعلانه ولادة الشعر الحر.

 - قُضاةَ القصر

بيدِكم تُستَلُّ من تحتِ لذتِها الخطيئة

يُدارُ دولابُ القَرارِ لبوصلةِ الشّرفةِ المُنيفة !

حيثُ الظّلامُ يصنعُ توابيتَ بلا أسماء . . .

مالكم

علقتُم الكلمةَ من ثدييْها

حتى تساقطَ لحمُها في أفواهِ السّفهاء !

كأنَّ الأمسَ روحٌ مقدسةٌ لا تُمسّ

تُحرقُ حولَها الفصولُ الأربعةُ بخوراً بترتيلةِ الوَلاء . . .

خذوا هذهِ التي أتنفسُ بها

لكنَّكم لنْ تأخذوا ما باحتْ بهِ لهذا الكون . . .

تبّاً لعصرٍ

يُخنقُ على الأشهادِ شاهدُه . . .


لم يعلُ الموتُ قامتَهُ القصيرة

اصطحبَهُ بثباتِ قِممٍ

يرتقيها

لكنَّهُ

يظلُّ بجوارِها مملوكاً . . .

يَسرُّهُ :

لا يليقُ بعظمتِكَ أنْ تكونَ تافهاً إلى هذا الحدّ . . .

بئسكَ أنْ تُسكبَ سُمّاً في قعبٍ من فخار . . .

أغلقَ عينيْه . . .

القابعون فوقَ التّل

ليسَ لهم أنْ يقتربوا من حافرِ بَغل . . .

ليتَّهم يغادرون خوفَهم قليلاً

ليروْا أنَّ الحرَّ حينَ يموت

يُكفَّنُ بورقِ الشّمس !

صرخةُ الأمواتِ

تسمعُها إذنُ الطّغاةِ فقط !


السُّمُّ

يرسمُ لوحةً مفتوحةَ الأبعادِ

تُرى بعينِ كُلِّ العصور . . .

ليسَ كوجهِ أثينا وجهٌ

تغادرُهُ كُلُّ الألوان جليداً أسود . . .

رجعتِ الشّمسُ إلى بيتِها بحفنةٍ من حزن . . .

كيفَ يُقشطُ ندمٌ تخثّرَ في حنايا مُعتمة ؟

لاتَ حينَ نَدم

فلا يُغفرُ لسهمٍ خرقَ حنجرةً

هتفتْ لانسانيّةِ الإنسان !

ـ باسم العراقي ـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق