تُوتَة الخَلْوة ( قِصّة قصيرَة )
بَلَغَتْ عَتِيّاً مِنَ العُمْرِ ، ولا تَزَالُ في مَكانِها رُغْمَ يَباسٍ
أَتى على غُصونِها ، ولَمْ يُبْقِ مِنها سِوى اثْنَينِ ظَلاَّ
يُعَانِدَانِ الجَفافَ، ويَشْهَدانِ على تَاريخٍ سَكَنَ المَكَانَ،
وَجُودٍ تَوَلَّتْهُ كَفٌّ سَمْحاءٌ لمْ تَبْخَلْ يَوماً على قَريبٍ ،
أَو جارٍ ، أو عَابِرِ سَبيلْ ..
إنَّها تُوتَةُ الخَلْوَةِ كما عَرَفَها أَهْلُ القَريَةِ وَسُكَّانُها في ذَلِكَ الزَّمنِ .. والخَلْوَةُ هِيَ بَيتُ العِبادَةِ عِنْدَ الدُّروزِ ؛
وما كانَ أَكْثَرُ بيوتِها في هذا الصَّقْعِ الجَبَلِيِّ النَّائي ،
حَيثُ مَعْقِلُ الدُّروزِ، وحِصنُهُمُ المَنيعُ، ومَورِدُ رِزْقِهِم.
ولِأَنَّها كانَتْ تُجَاوِرُ خَلْوَةَ " آل نِمْر " أكْبَرُ الأَجْبابِ في
عَائِلَةِ الأَشْقر في الخْريبِة ؛ فَقَدْ حَمَلَتْ إِسْمَها ؛ حَتّى
أَنَّ التَّسْمِيَةَ انْسَحَبَتْ على المَكَانِ الّذي ظَلَّ يُعْرَفُ بِ
" الخَلْوَة " بَعْدَ زَوالِها ؛ وهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ فُسَحَةٍ مِنَ
الأَرضِ كَانَتْ وَقْفاً لِهَذِهِ الجَمَاعَةِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ،وَإلى
حِينِ انْتِقالِ مِلْكِيَّتِها إلى المَرحومِ الشَّيخِ أبو سَعيد
محمود يوسِف الأَشْقَر الّذي اشْتَراها لِقاءَ مَبْلَغٍ مِنَ
المَالِ دَفَعَهُ لِقِسْمٍ مِنْ اَصْحَابِ الأَرضِ ؛ فيما تَنازَلَ
القِسْمُ الآخَرُ عَنْ حِصَّتِهِ مُؤْثِراً تَقْدِيمِها كَهَدِيَّةٍ لَهْ ..
التُّوتَةُ الشَّامِيَّةُ الّتي تَجاوَزَ عُمْرُها المَائَةَ والخَمْسينَ
سَنَةً، وُرُبَّما أَكْثَرَ،وَبَلَغَ ارتِفاعُها عِدَّةَ أمْتارٍ؛ بَقِيَتْ على
وَفائِها،ولَمْ تُغَيِّر العادَةَ،رُغْمَ انْتِقالِها مِنْ عِهْدَةِ الخَلوَةِ
إلى كَنَفِ المَالِكِ الجَديدِ الّذي اقامَ في الخَلوةِ زَمَناً ،
قَبْلَ انْتِقالِهِ إِلى البَيتِ الّذي شَيَّدَهُ على مَقرُبَةِ مِنها ..
فَقَاصِدوها الكُثُرُ داوَموا على زِيارَتِها ؛ يَقْطِفونَ مِنْ
"كُبوشِها" ما يَشْتَهونَ، وأحْياناً ما يَكفي لِصُنْعِ القَليلِ
مِنَ الشَّرابِ الّذي كانَ رائِجاً ؛ ويَتناولهُ القَرَوِيّونَ، أوْ
يُقَدِّمونَهُ على سبيلِ الضِّيافَةِ ، بديلاً عنِ المُرَطَّباتِ
الّتي كانَ وجودُها نادِراً،وقَدْ لا يَمْلِكونَ ثَمَنَهُ في حالِ تَوَفَّرِه ..
عَمَلِيَّةُ القِطَافِ لَمْ تَكُنْ تَخلو مِنَ التَّعَبِ نَظَراً لِارْتِفاعِ
الشَّجَرَةِ، واتِّسَاعِ مُحِيطِها، ولِلْبُقَعِ الدَّاكِنَةِ الّتي تَتركُها
على الأيدي والثِّيابِ ، والّتي تبقى لِمُدَّةٍ على الأُولى
رُغْمَ غَسْلِها باسْتِمرارٍ ؛ بينما تَعصى على الإِزَالَةِ في
الثَّانِيَةِ الّتي تُصْبِحُ غَيرَ صالِحَةٍ سِوى لِهَذِهِ المُهِمَّةْ..
والقِطافُ عادَةً يَتولاّهُ طَالِبُ الحَاجَةِ ؛ فإذا كانَ ضيفاً
لا يُحاسَبُ على ما جَناهُ حَتّى لوْ زادَ عَنْ حاجَتِهْ ..
والغَالِبِيَّةُ مِنَ الضُّيوفِ كانَتْ تكتفي بالقَليلِ إِفْساحاً
بالمَجالِ أمَامَ الغَيْرِ ، وَخوفاً مِنْ شُبْهَةِ الطَّمعِ الّتي لا
تخلو مِنَ الإِنْتِقادْ .. امّا ثَمَنُ المَقْطوفِ فَيُسَدَّدُ كَلِماتٍ
دَرَجَ النَّاسُ على اسْتِخْدامِها في هَذِه الحالاتِ كَمِثْل :
" اللّه يفَوِّضْ الخَيرْ " أَيْ (يَجعَلَهُ يَفِيضْ) ، وَتُقَابَلُ
عادَةٍ بِعِبارَةٍ او أكْثَرَ كَ "علَيْنا وعلَيْكُم" وَ "صحْتَيْن "
أو"مَطرَحْ ما يِسْري يِمْري " أي ( صحّة وعافِيَةْ لِمَنْ
يَأكُلْ ) ..على أَنَّ البَعْضَ مِنَ الاهالي لمْ يكُنْ يَرْغَبُ
في الإِفادَةِ مِنها إمّا لِوجودِ مِثْلِها قُرْبَ بَيتِهِ ، أوْ
" حَمْل ثِقْلِة " كما يُقالْ ومعناها ( تخفيف العِبءْ
عنْ صاحِب العِلاقَة ) .. وغالِباً ما يَقومُ المَضيفُ
بِمُهِمَّةِ القِطافِ تأْمِيناً لِحَاجَةِ بيتِهِ،ولا بَأسَ في زِيادَةٍ
يُوَزِّعُها غلى نِيَّةِ الخَيرِ عَملاً بالقَولِ الشَّائِعْ " الرِّزْقْ
يَلّي ما بيروحْ مِنّو ما بْيُبْرُكْ " أيْ (لا يُصْبِح مُباركاً).
عَطاءُ التُّوتَةِ لَمْ يَكُنْ لِيَقِفَ عِنْدَ حُدود ؛ على امْتِدادِ
مَواسِمِ عُمْرِها الطَّويلِ ، ولَمْ يَسْبِقْ لها أَنّْ رَدَّتْ
قاصِداً وَجَدَ في ثِمَارِها فاكِهَةً مُشْتَهاةً ، وذاتَ نَفْعْ ..
عُبُّها مُثْقَلٌ دائِماً بِ"الكُبوش" ، تَجودُ مِنْهُ بِما اسْتَوى،
وَتَنْفُضُ عَنْهُ ما جَفَّ وَذَوى .. ويَبقى الكَثيرُ الكَثيرْ..
تُوتَةُ الخَلوَةِ لَمْ تَعُدْ كما كَانَتْ في عِزِّ شَبابِها .. لقَدْ
فَقَدَتْ نَضارَتَها مُنذُ سَنواتٍ بَعْدَ أَنْ أصابَ جِذْعَها
وَهْنٌ أَماتَ فيهِ القُدْرَةَ على إِحْياءِ الغُصونِ، فَيَبِسَتْ
كُلُّها ، ما عدا اثنَينِ لا يَزالُ فيهِما بَقِيَّةٌ مِنْ روحٍ، وفي
ثَمَرِهِما ما يُغْني أهْلِ البَيتِ عَنِ الشِّراءْ ..
تُوتَةُ الخَلْوَةِ سَكَنَتْ ذاكِرَتي يَوَمَ كُنتُ طِفلاً ، وَظَلَّتْ
صُوَرُها حاضِرَةً فيها رُغْمَ سَنَواتِ الكِبَرِ ؛ أَسْتَعِيدُها
كُلَّما اسْتَبَدَّ بِيَ الحَنينُ إِلى الزَّمَنِ الماضي ، وعَصَفَ
بِداخِلي الشَّوقُ إلى قِيم تَحَلّى بِها ناسُهُ ، وَبَرَكَةٍ
عَمَرَتْ بِها بُيوتُهُ ، وَبَسَاطَةٍ زَيَّنَتْ سَنواتُهُ بالغِنى ،
وَهَناءَةٍ لَمْ يَعُدْ لها مَطْرَحٌ في ثَقافَةِ هذا الزَّمَنْ .
3/8/2021 رجا الأشقَر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق