* المظنون *
تقدم كهل مشرقٌ بحيوية ويطوق عنقهُ بسبحةٍ رحيبةٍ وعلى رأسِهِ عصبة خضراء قائلا :
تي لنا إيهٍ أيُّها الأخ المعلم آية عن اللهِ نرتلها وتكون لنا سر كل نشيد.
فاضت عينا آدم بنورِ الطمأنينةِ والرضىٰ وأشرقت بضياءِ حبورِ المحبةِ حيث شرع قائلا :
بملئ أنفاسي أستنشق الله المظنون نسائِما من أرواح وِداد اللقاءِ، أبدا أمتلئ بِهِ ولا ألفظهُ، أطلبهُ بعطشٍ ولا أرتوي منهُ إلّا لأظمئ إليهِ بشوقِ لهفةِ طوباءِ الوِصال.
فمنذ بدء التكوين أصعد إليهِ بكُلِيَّتِي أَذرأهُ أعالي الذات، فسبحان الإشراق في يقظة التأمل لمّا ينتشر النور وتتوقد فيّا وكلّ ما حوالي متسامقات السمو حيث أنا في مقام الإنسان الأسمىٰ.
من الأزل أجد السير إلى اللهِ وفي كلِّ جميل أَعشقهُ وأذكرهُ بِحلاوةِ خشوعٍ، وحين قبح الحمق في العالم يسوقنا بين شقي الرحىٰ ويجندلنا على مذبح الأحزان أذكرهُ بِمر حنظَلِ عتابٍ.
اللهُ أسبحهُ لا بذلِّ ضعفِ العبيدِ بل بوقارِ محبَّةِ الإِبْن البَار لأبيهِ والأخ الصَّدوق لأخيهِ والصديق الوفِي لصديقِهِ الصفِيّ.
أسبحهُ برونقِ تسبيحةٍ حرةٍ ذات تجلي إنسي.
أبحثهُ محبورا أن أَجدهُ في شقوق الأرض والومضات على الأفق ومن لائِحة بريق تلوح في كوة تتهادى في ضباب السماء، وإن تلاشىٰ كضوءِ شمعةٍ وسط الظلمةِ المعتمةِ لا على شفا الكآبة أو اللامبالاة أَسقط منهارا ضاربا خبط عشواءٍ في وساوس ٱختِبالٍ وإنما لقُدام أتقدم حيث أنا في التجلي الأسنىٰ.
كأنّهُ أنا وكأنني هُو، وما أنا بِهُو وما هُو بِأنا.
فأنا كُلُّ كُلّي لا أحد سِواي لِكُلِّ.
فلولا بأساءُ حياة الكفاحِ المائِرةُ فوق أمواجِ الشقواتِ والمستظلة تحت قبَّةِ الكادحةِ مَا توقفتُ لا ولا ٱنكفأت ولو لِأحاينٍ عن شدو أناشيد كليَّة الإنْسان.
أنوار ظلالٍ وظلالُ أنوارٍ، وليس الواقع بقيعة سراب بين يدي الإنسان الحيّ، أعيشهُ ليس من ٱغتِمام حزنٍ بهوان عبوديّة، لأنَّ الموسيقىٰ العلوِيّة تُسكِر دون تهويم وصداع ليقظة في حقيقة الصحو.
فالزاحفات على بطنها على الأرض، وللأعلىٰ الطائر بجناحيهِ، ولا يُبصَر البحر من وراءِ الجبلِ فٱتساع الرُّؤْية مِن على القنن، والحريّ كلٌّ من الناس إدراكهم إن عقِلوا في إتزان التعقلِ بواعيةٍ نوراء، والطوبىٰ للصادقين.
اللهُ أنهضهُ بصفاوةِ إيضاحٍ لكلِّ نقاوةِ محبةٍ من ينبوع ألفة غير معكرةٍ بشائبةٍ من كراهية أو شر، لا لشيع بغضاء ومذاهب أحقاد وطرائق تخدير تسكبُ مرارة العلقمِ في حنايا القلوب، وبِسيف تكفير مسموم بحمّىٰ العصبيات معلق فوق الرقاب، وبحمق جهالات تسكر العقول لغيبوبةِ في كلِّ كذبٍ مبين.
ولكن ما أفعل وأنا وحيد غريب في الحياة والوجود إلا أن أتمنىٰ قديرا عدلا رحيما وكفىٰ، ثم أمضي قدما عن الغائب نحو نور ذاتي أنا.
وإن كان اللهُ وإن لم يكن كفتا ميزان معلقتان بالوعي المتسامي حيث المتقاطعات متوازيات والمتوازيات متقاطعات إذ كلُّ ما فيها لنقاطِ الجذب على المسار، وحيث لا يُقرر منطوق الواقع بما عظمَ أو ٱتسق فوق دروب المسار لصادقٍ يرومُ الحقَّ في هذهِ الحياة التي نحياها إلّا بأجنحةِ سمو الرقِيِّ من فوق العليةِ على ما سمقت لحيث مقام الإنسان النورانيّ الكامل.
وما أنْ صمت آدمُ قليلا حتىٰ أردف قائلا :
ٱللهُ ألآ حسنا ولكن بُعدا لدينٍ وأديُنٍ، بُعدا لأديانٍ لا تنصهر خالصة للبّ المعتقد الإنسيّ.
الله، ولكن مَا يدريني إيّاهُ إنْ كان وإنْ لمْ يَكُن، حسبكم فيهِ جميل الظن.
اللهُ لتسبيحةٍ خفيّةٍ لا تكاد الصاغِيَة أنْ تسمعها، ولا تصدر إلّا من أوتارِ كلِّ حسان، وأبدا لا تزيغ مهما ٱمتدت في اللّهاجة وٱنغمست في نشوة هيام التوجد ولو على محيان طارفة عينٍ عن أنَّ الله مظنون وحسب.
اللهُ وكذا التسبيحة الحريُّ لكليَّتي فسبحاني في تجليات عليائِي ولكن على دفَّة الإتزان بلا أدنىٰ ميلٍ عن حقّ نسمة الإنسان على سلم وعيهِ في الاِرتِقاءِ بحسن الخُلقِ العظيم، فلا يتألهُ إلّا الأحمق أو الأفاق.
الله إذ التسبيح لكلِّ جميلٍ بديع، فسبحان المحبّة والخير والجمال والحريّة والسلام، وما الاِستِغفار كذا إلّا لكليَّتي أنْ أستغفر ذاتي عن نفسي، أستغفر ذاتي العليا عن نفسي السفلىٰ إذ الحريّ الإنسان أن يحيا في العليا التي بين يديهِ لا الدنيا.
اللهُ لجاريةِ تسابيحٍ وضَاءة الإشراق، ولكني غير محتاجهُ على درب ضياء مسيري مهما ٱلتفَّ حواليَّ الظلام فلا زيغ وضلالة وميد.
الله لهُ التواري في عتمةِ غيهبان المجهولِ ولي كلّ ما في النور لليقين.
اللهُ كما حبات المطر على شفاهِ الأرضِ العطشىٰ وصنو الثمار الطيبة الناضجة الحلوةُ على غصون الأشجار والطيور بين الأفانين، وكما أزاهير الحقول بشذىٰ أذكىٰ الأرائج وقطر الشهد من صافي المعسلةِ، وهو أكثر من حصاد السهول رفدُ خيرٍ وأبرَّ من الإحسان، وهو كما لقاء الأحبة حين يعز اللقاء، إنَّهُ الضياء الذي ينبلجُ في قلبِ الظلمةِ ويسكنُ الفؤاد نورا، موسيقىٰ يقظة السَّحر وترنيمة فتون رائعات المساء، وإشراقات بهجة الأمل، ألآ لا يقال بعدا قصيا لفكرةِ إلهٍ يُمتح لها ظنَّ وجُودٍ لحديقةٍ غناءٍ من ينبوع حسنِ الجمال ومن معسلةِ صدقِ السلام، أو تنسج على منوالِ أجنحةِ الحريةِ وأنعمِ الخيرِ ويُطرز لها بخيوط شغف العاطفة لوحات فائقة الحسنِ من لطائفِ الألفةِ والعشق بألوانٍ بَهجةِ الحبور.
اللهُ فكرة بديعة كما اللحن العذب تتهادىٰ في الجمال والحرية ولكن هيهات لها أن تصير فكرا ونهجا على صِراط سَوِيّ، فمعتقدي وشريعتي الإنسيَّة مِني وإليّ بين يدي نورا صافيا من ضياءٍ أبلجٍ.
لا يقال بُعدا لتسبيحة تلتزم حدودها في ٱستِواءِ الظن غير مختبطة في ما ليس لها من صوابِ وجودٍ في حقِّ اليقين, كذا هو اللهُ تسبيحة الذاتِ على أوتارِ الطبيعةِ وفضاءاتِ الوجود.
ٱللهُ تسبيحة الجمال لا القبح، ألآ سبحانك بملئِ أنفاسِي أرتويك محبة لأظمأ فيك وجدا إليك، أنهلك من كلِّ بهيجٍ بهيٍّ متألقٍ ونضيرٍ رائعٍ أنيقٍ، ولكن كما يجب في حقِّ ميزان الإنسان الكامل النورانيّ.
من كتاب ( الإنسان الكامل النورانيّ ) لمؤلفه :
المهندس أبو أكبر فتحي الخريشا
آدم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق