★ الحرب والسلم ★
ثمَّ سأل رجل تبدو عليهِ ملامح وقار الحكمة وحصافة القوة قائلا:
أفتنا ما الحرب والسلم يا آدمُ المعلم.
نظر آدمُ إلى موقدِ النار ثم قال وفي صوتِهِ سكون العاصفة وقصفها :
منذ وجود الإنسان الأول والقتل يوغل بأبناءِ الإنسانِ حرقا لأرواحِهِم السائرة نحو كلية النور والجمال، وذلك نتيجة صراع الإنسان مع الإنسان على أنغام قارعة طبول قوىٰ الشر المضادة لوجودِهِ في تجلي الحياة على نسق رحلة نسمتِهِ في هذهِ الحياة التي يحياها، غير أن وجود بذار الخوف ورذائل الشر في النفس البشريّة الدونيَّة من مثل الافراط في حبِّ التملك ونهمة الجشع بالظلم والطغيان وكذا من التوحل في النقائص والاِضطراب في النقائض دفع الناس إلى التعارك بأسنة الطعان التي ٱرتكبت من خلالِهَا أبشع الجرائِم والفضائح البشرية.
فلتعلموا عِلم الحقِّ أنّ الإنسان يحيا بالسلام لا بالحرب لحقيقة سموهِ على الحيوانيَّة الدونيّة السادرة في تطرف الغرائز المنكبة على زلقة الٱنحدار في الدركات نحو السفليّة، وكذا الإنسانُ تتقدم حياتهُ وتزدهر وتتطور نحو الأفضل عند شعورِهِ بالٱطمئنان، لأنَّ الشعور بالخوف من ظلم ما يحيقهُ أو حرب ما تستهدفهُ يدفعهُ دفعا لأنّ يجند طاقاتهُ لِدرأ ذلك الخطر المحيق بهِ بشكل ما يسير بالاِتجاهِ السلبي غالبا نحو ظلمات البجر، وقد يترتب على ذلك الاِستِجابة لنيران الحرب مع أول قدحة شرارة على خط النار، أو يترتب على ذلك البدء بالعدوانيّة والإجرام، وكذا من نوازعِهِ الشريرة أو حاجاته الملحة لحياةٍ أفضل أو لترس يحميه أو من أطماع الأنانيّة بالاِستِيلاء على خيراتِ الآخرين ومن أمراضِ عصبيات يخوض قتام معاركٍ لحربٍ وحروب.
وما كذب عليكم الذين قالوا إنّ الحرب تصنع التقدم والرخاء أحيانا، لكنما السلم بناء فوق بناءٍ لا كمَا الحرب هدم يعقبهُ بناء ثم لهدمٍ وهكذا دوليكم على ديدن جهمةِ التنازع، ومها أعطت الحرب فعطاؤها سقم من سقِيم، وما واقعة القوي على الضَّعيف مهما تمنطق لها لمنطقٍ سليمٍ بل ٱفتراء لأقبح جرم ولأشنع نهب وأظلم ٱعتداء، وما الحرب ما كانت دوافعها إلّا ذات عين الشر منها يتفور كل لؤم وخبث، فلا يمهرها لاِعتداء إلا كلُّ فاسقٍ فاسدٍ ومجرمٍ حقير، والمعذرة فقط للذي الحرب بين يديه لصد كل ٱعتداء حين لا مناص.
فما الحرب إلا ويلات وقتل وتدمير فٱبتعدوا عنها ما ٱستطعتم من سبيل، والحرب حرام عليكم إلّا في حالة الدفاع عن النفس والدفاع عن النفس فقط, ولحين أن تحط أوزارها وعلى أولِ فرصةٍ لنزع صواعقها وما تدلىٰ لها من فتيل.
إن البركان يا إخوتي حين ينفجر، تأخذ حممُ سيولِهِ كلَّ مَا يصادفها، وكذلك الزلزال يدمر كلّ ما تصل إليه موجاته الغاضبة، بل الحرب أشد إيذاءً وتنكيلا وأشدُّ عصفا وتمزيقا.
والحرب ملعونة لأن الإنسان يقتل أخاهُ الإنسان ويخرب بيتهُ بكلتي يديه، وهل البيت إلا كل الأرض، وطنُ الإنسانِ وإخوتهِ الناس كافة أجمعين.
ثم تنهد آدم بعمق وتابع قائلا :
نعم للسلمِ والمحبةِ والسلام .. لا للفتنةِ والكراهِية والحرب .. لا لكلِّ جيوش الأرض .. ولكن عندما لا نجد إلّا دماءنا قد أستبيحت .. أهرقت بأنيابِ الضِّباع والذئاب .. عندما يجتاح الطامعون اللصوص أرضنا بويلات الخراب والتدمير .. يخربون كلّ ما توارثناهُ عبر الأجيال من عالي صروح أقيمت على الخير والنور .. يقتلون أبناءنا .. يتخطفون نساءنا وأطفالنا.. يشردون ما تبقى من أهلنا .. عندما لا نجد قدامنا إلا أسواق الرق وسيوف النخاسين على رقابنا .. عندما لا نجد إلا النيران تصوب نحونا من كل جانب .. تحيطنا الظلمة الزاحفة والزاحف فيها أوابد الوحوش الضواري تريد نهشنا لذبح وٱستعباد.. عندما لا نجد إلّا أجسادنا قد صلبت على أعواد بطش القهر ومشرعة فيها السياط والحراب بالتمزيق والطعن .. في كل بقيعة أرضٍ سراديب للتعذيب والنحر .. ودروبنا ملغمة بكمائن التفجير والقتل والإرهاب .. وقد حولت كل المدائن إلى معتقلات وحشية وضربت حولنا أسوارا من دويلات جردتنا من إنسانيتنا لكأننا قطعان حيوانات لحظائر دواب .. وعقرا نجزر كما الخراف قرابين للعدوانِيّة على مذابح الجشع والكراهيّة والأحقاد .. عندما لا نجد إلّا الأهوالِ والتدميرِ والطغيان..
تصبح المقاومة قُدسِيَّة ..
تصبح الحربُ مُقدسة ..
ويصبح بناءُ قوتنا واجبا ولَا أسمىٰ .. .
نظر الأفق آدم ثمّ تابع قائلا :
وها أنا ذا أقول لكُم في ضِيَاءِ الشّمسِ إِنَّ الدفاع عن النفس والأرض ضد ذئاب الليل وجبابرته مقدس، ولكن إيَّاكم أنْ تساقوا إلى الحرب كالنعاج إلى حد السكين، دون أن يكون لكم قناعة أكيدة في ذلك ورأي لا يعدو البتة على الإنسانيّة، لأنّ ملوك الأممِ وزعماءها وأسياد المال أغلبهم وأمراء الحرب لم يقيموا مجدهم الموهوم العفن إلا فوق جماجم الملايين من التبع العبيد والمظلومين، والذين لا حول لهم ولا قوة من المماليك المأمورين ومن المخدوعين المضللين، ثم ٱعلموا إن في عمق الحرب لا منتصر ولا مهزوم، إنما الدماء المهرقة وسواجم الدموع والهشيم والرماد والخراب والتدمير وكلّ الخسارة في البيت الواحد، وسرعان ما تذهب أدراج الرِّيح نشوة الاِنتِصار، ليصبح المنتصِرون الموهمون فوق بركة من الجثث والنار والغضب وريح الاِنتِقام تعصف بهم من كلِّ جانبٍ وصوب، وأولئك صنو وحوشٍ فوق الفرائس بأنياب تتقطر منها دماء الأبرياء وكل ما صار على موائدهم معجون بالدماء والدموع، والخزي كل الخزي لأي حضارة ترفع بنيانها بالنهب وفوق القبور.
والحقُّ أقولُ إن كلّ ما يصير على دسِيعة المنتصر في الحرب لفمِهِ من طعام وشراب هو بالحريِّ جثث تفوح بالعفن ودماء عتقها التخثر، فهل من أحدٍ سليمٍ يأكلُ الجثثَ ويولغُ في شربِ الدماء، وما تلكم مكاسب الحرب إلّا جني السموم للبطون لا تتقبلها إلا النفوسُ الدنيئة الكريهة، ولا يجيزها إلّا الشرِير وعبدة السُّوءِ.
إنَّ الحرب عمياء كما النار حين تشب فلا تميز بين أصفر يبس وأخضر طري، لا ولا تبقي ولا تذر مِمَّا تقع عليه لَهامَة شرورها بفاتكة الويل.
ليست الحرب خُلق القويّ الجريء ذو الفضيلة بل خلق الضعيف الرعديد ذو الرذيلة، ولا يُنظّر ويدعو لها دون وجه حقٍّ أكيدٍ إلا أعداء الإنسان والإِنسانِيَّة الجبناءُ، أولئك الحمقى العميان الذين باعوا أرواحهم لكل شر وشرير، وما كانوا إلا ضحايا الدنيئة وقربان لمذابِح الفساد، أولئك أحطّ دركة من الراسبةِ بأربعةِ قوائمٍ وأهون من الهوام.
إن من الأبشار بأنفس وحشِيَّة صنو الضواري نزاعة للسيادة على الآخرين بقوةِ البطش ومراوغة للاِفتِراس، فٱحذروهم كلّ الحيطة، والحريُّ العقلاءُ النبلاءُ عليهم بالألجمةِ وعليهم بالقيودِ حسما على كلِّ باطلٍ، وإلّا سيندفِعون عليكم بكلِّ سخطِ الشنآن وعلى الحياة يصيرون بِبَغضاءِ كلِّ حقدٍ.
وإنَّ من الشعوبِ ما ترزح تحت نير غرائزها وتقودها الأهواء الماجنة، ومنها ما تقع فريسة كل تضليل وإفساد، ومنها من تطمح للاِفتِراس كما زمر قطط وضباع على قطعان البقر والغزلان، ومنها ما تستكين في حظائرِ الأنعام للرعي والذبح كما الأغنام، كذا لا بد لشريعة الإنسانية بالتفاهم والسلام أنْ تسود عليها جميعا كي يضبط الميزان عن منقلبِهِ في الفوضىٰ وفي وَهْمِ خدعِ التدافع، ولكي تنصهر كلّ الشعوب لشعبٍ واحد، فلا أمم على بعض بشحناء البغضاء وشناءة العِداء ومتفرقة أشتاتا عن نور الإنسية بل الحريُّ الكلُّ لأمَّةِ الإنسان.
ليس الناس طيور كواسر وحمائم سلام، إذ الحريّ بالناس أجمعين أدمتهم في الإنسانِيّة، والحري بهم ما ٱرتفعوا لسامية النفس وأعمال المحبة والسلام، وإلّا ما فائدة لطيفة الروح ٱلإِنسِيَّة ونُور الواعي إن عنها أعرضوا ظهرانيّا إلّا أنْ يكونُوا في دنس الصراع وفي ظلمة الدونيّة وفي اِنحِطاط الحيوان فهُم أبشار في السفليّة وفي الأغطية لا علياء لهم ولا يبصرون.
والحقّ أقولُ لا يكون الٱستبشار والتهليل لأجل طبول تقرع للنفير بالٱعتداء على الآخرين، طبول تقرع في كل مكان، تقرع بعنف الدوي لمجون القسوة للاقتتال، فإذا الدماء تجري غزيرة من تحت أقدامنا، نخوض فيها وتتسلق أمواجها على أجسادنا لحتف إفناء، حرارة دماء تهدر للشر والصراخ بالنواح يضج بأنين النشيج حولنا، جارفُ فيضان من دماءٍ كأنهُ جنون الويل أنْ أين المفر إذ الدمار على الأبرياء بالشقوات، ومَا زلنا نقرع الطبول طبول الخراب وبالجهل والٱستعباد نقرعها بعنف التعصب والعصبيات لأتون النار، أن هيا إلى التباب، هيا إلى الخراب، هيا إلى الشر والكراهيّة والدمار، طبول ندهاتٍ لمزيدٍ من البؤسِ والشقاء وأجراس تقرع بمخالب سخط البغضاء، لمزيد من القهر والتشرد والحرمان والظلم، لمزيد من الأسر والتعذيب والحتف، وغبارعثير في كلِّ مكان ينفخ في أبواق الشنآن، تولول أسراب الطيور بأناشيد لوعة الحسرات في أجواء الفضاء وعلى الأشجارِ الحريق، وتشب النيران على الأرض مأوى الإنسان، وعلى الحياة باِستِطالةِ الظلمةِ وحرقةِ القهرِ وديجور الظلم، وما زالت الطبول والأجراس تقرع بالجور والاِستبداد، تنفخ الأبواق بأحقاد ما لها من حق منطقٍ تملأ كلَّ فضاءٍ، ندهات أن هلموا للعدوة والشنآن، الحق لا قرعا ونفخا ونداءً إلّا للمحبة وللسلام وللتسامح وللاِجْتِماع في عدالة الصُّلح وحبور الألفة.
الحريُّ الهتافُ إلى ما يسركم في الحياة ويقربكم أكثر ومعًا من خير الفلاح وسامي النور في الإنسانِيَّة، لتكن لكم الأدمة والأمان والتوافق والتفاهم والألفة والاِتفاق والسلم في الإنسانِية، والحريّ أنتم إخوان الرواءِ والنعم والمحبّة والحريَّة والجمال.
وما التهليل الحريُّ هتافهُ إلا لتسابيح الجمال من مهجة المسرة لكلِّ ما يبهج فطرة النفوس ويرفع من سمو الذات ويعلي من مقام الإنسان, لا إلى ما يسوم الناس سوء النقم والعذاب، وكذا الفنونِ إلى ما لا يشوبها من الأنانية والتّعصب والأحقاد ورذائل الخُلق فبالحريّ الفنون كلها للخيروالعدل والألفة والسلام ولا تصير على حياة الناس لمهاوي اللعنات.
ألا الأمثلُ حين أنتم يا أحبائي في القدرة ولا ظلم عليكم أن تتخيروا السلم والمحبة دون الحرب والكراهية، لأنكم أبناء جلدة واحدة، فالإنسانيّة هي العشيرة والأرض كلّ الأرض وما عليها من قبّة سماء هي الوطن الحقّ.
سكت آدمُ لبعض الوقت ومَا كاد حتى ٱستأنف قائلا :
إنّ الحرب إيهٍ أحبتي كريهة بشعاء والسلم وإن كان على أول درجاتِهِ فهُو خير ومحبة لكم وجمال.
الحق أقول لكم إخوتي وكل الحق أن لا خلاص أكيد للبشرية إلّا حين تعتنقوا الإِنسِيَّة معتقدا حيّا لكم جميعا، آنذاك كلكم إخوة في ذات الأسرة الواحدة ودولة واحدة تستظلون في أفيائها بأنعم الحرية وبناطقة واحدة، لا ولا تحتاجون لثورة وثوارات إذ الكلّ الحري في رفاهِ المعيشة في الأمنة وفي نعماء الحقوق أحرارا يحيون.
لا خلاص أكيد لسكينة السلام ولِودِّ التوافق ولِمصافاة الصلح ولِتحاب في الألفة وبعيدا عن هيجاءِ كل معمعة مدمدمة بالخراب وقبيحة وَقِيعة نازلة بالٱحتراب وعن فوضىٰ مأزقٍ ذي شقواتٍ وٱضطراب معتركٍ سلّابٍ لكلِّ حقٍّ إلّا أنْ تكونوا في نورِ الكامِلِ النورانِيِّ إِنسيُّين.
من كتاب الإنسان الكامل النوراني لمؤلفه :
المهندس أبو أكبر فتحي الخريشا
( آدم )
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق