كيف نُحارب التطرّف في الثقافة والمجتمع ؟ .
بقلم الكاتب الاعلامي :
أنور ساطع أصفري .
**************************************************************************
علينا أن نُدرك أن للتطرّفِ أسبابٌ وتداعيات ، وأن بداية المشوار الحديث بدأ من تنظيم القاعدة ، كنموذج ظلامي للتطرّف الديني . إنّ التطرّف هو ثقافة ، وموجود منذ القرن الأول الميلادي ، ومن ثُمّ في العهد الاسلامي ، ومن ثُمّ على هامش الحركة الاصلاحية السلميّة التي قادها مارتن لوثر كينج ، حيثُ استغلّها متطرفون وهدّموا العديد من الكنائس ومحتوياتها ، والأمثلة كثيرة عبر التاريخ .
كما أنّ العقلية الدينية المتطرّفة في المجتمع العربي هي سبب تخلّفِ هذه المنطقة من خلالِ التطرّف والتشدد في المواقف . ومن خلال الاكراه في الدين وإقصاء الآخر .
لنأخذ كلمة " الأمن " ، نراها مفردة واحدة ، ولكن مفهومها شاملٌ وتحتاجه كل الدول والشعوب ، وفي كل مجالات الحياة ، فهناك بكلِ تأكيد أمن عسكري ، وآخر غذائي ، وأمن اقتصادي ، وأمن فكري ، وأشياء أخرى يحتاجها الانسان لحماية نفسه ، ولعل أهمها هو الأمن الثقافي ، الذي يُمثّل أحد أهم احتياجات الانسان التي تضمن له نوعاً من الاستقرار والسلم الأهلي ، وشروط استمرار الحياة في مجالٍ آمن ، من خلالِ الارتكاز إلى فكرٍ معتدل ينهض بالأمّة ويُحصّنُ الوطن ، ويصون المجتمع بفضل سياسة الحكمة والتسامح والتعايش ، لذلك نرى أن أهم أسباب التطرف هو سوء التعامل السياسي بين السلطة والشعب بكلِ مكوّناته ، وغياب العدالة ، وغياب العدل ، إضافةً إلى قمعِ الحريات وتهميش بعض مكوّنات المجتمع ، ومُضاعفة نسبة الجهل ، وتحقيق زيادة في مستوى نسبة الفقر بدلاً من التقدم والرفاهية .
ورغم كل ما واجهه الاقليم من التطرف والارهاب خلال السنوات العشر السابقة إلاّ أن الحكومات والمنظّمات ولغاية الآن لم يضعوا خطّة أو برنامجاً جاداً لمواجهة التطرف بكلِ أشكاله ولو على مستوى مشاريع قوانين أو آليات لمكافحة التطرف .
وما دُمنا نتحدّث عن " كيف نحارب التطرف ؟ " علينا أن نعي بأن التطرف الديني والمذهبي صفةٌ طاغية في التاريخ العربي الاسلامي ، ويظلّ أساس التطرف الديني أصل في تراثنا الفقهي وكتب تاريخنا العتيدة ، حينما ننصّبُ أنفسنا أوصياء باسم الله على الناس ، فإمّا أن يكونوا معنا أو يُقتلوا ، لأننا الفرقة الناجية من النار ، وسوانا كفّارٌ قتلهم واجب ، " كما يقولون " .
لذلك أقول ومن باب الحرص على الثقافة والمجتمع والدولة والأمّة ، لا بُدّ من نقد وتنقية كُتبنا وإعادةِ مُراجعتها وبتر سياسة الاقصاء والكراهية ومبدأ الفرقة الناجية دون سواها .
ولا بُدّ من رفع نظرة التقديس للآراء والنصوص والأفكار واستبدالها بسياسة المنطق والعقل ، وبالتالي اطلاق حرية الفكر والعقيدة والتعبير عن الرأي .
ومن جهة أخرى لا بُدّ من تحرير الناس من تقديس البشر وعبادة الأشخاص ، وتأهيلهم كي يُحاكموا الأقوال والأفعال ، بدل سياسة الجري خلف الأشخاص كقطيعٍ من الغنم .
فما نحتاجه هو أصواتٌ معتدلة ، تُدافع عن الآخر ، وحكومة تحمي الآخر ، وقصرٌ ينطلق منه صوت الشعب ، حينها سيُعاد بناء الثقة ، ويرتفع خطر الارهاب والتطرف ، ويتم ترميم سلمنا الاجتماعي والثقافي والسياسي بشكلٍ تدريجي وسلس .
ونحن لا نقول هنا بأن التطرف سينتهي أو يتلاشى ، لكنه يخفّ ويهدأ ويضعف ، وقد يعود فيما إذا وجد أن هناك ظروف ملائمة لإنتشاره من جديد .
لذلك نؤكّد على ضرورة حاجتنا إلى تأسيس مراكز لتشخيص الفكر المتطرف وعلاجه ، ورعاية وتأهيل المتأثّرين به ، بهدف التأثير في تركيبتهم الفكرية وبترها ، أو الحدّ منها . من خلال البحث الجاد في موضوع الحوار والوسطية والاعتدال لبلورة المواجهة بطريقةٍ تتضمّن البُعد الفكري والاستراتيجي .
ولعل من أهم الأمور التي تساعدنا في محاربة الارهاب ، هي ترشيد ومراجعة وتوجيه الخطاب الديني ، ورفع مستوى تأهيل الأئمة والخطباء لمواجهة الارهاب والتطرف الفكري .
ومن الأهمية بمكان مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي التي هي نافذة حيّة لمحاربة ومكافحة التطرف ، فيما إذا تمّ استغلالها بشكلٍ جيد .
وعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن المجتمعات الشرقية من السهل إختراقها عاطفياً ، لأنها تربّت على كمٍ كبيرٍ من العاطفة ، على حساب التوجيه النصّي والعقلي ، فالبنية الفكرية الشرقية تميل إلى البساطة والتدين ، وهكذا تركيبة تكون مُهيّأة للإستغلال والاختراق ، لذلك لا بدّ من رفع مستوى الوعي معهم وعندهم ، من خلال الأمن الثقافي والفكري كمنظومة متكاملة ، فالتعاون والتنسيق مع الآخر مهم مع بقاء سمة التعددية والتنوّع كبصمةٍ وطنية ، مع ثوابت حفظ الحقوق وتحريم العنف والاعتداء على الآخر ، والمحافظة على التعايش والمواطنة والتآلف وعلى الهويّة الوطنية .
لأننا لو قاربنا الأمور أو الواقع لثبت لدينا أن من أهم أسباب العنف والتطرف هو أن القمع في دولةٍ ما ألغى السياسة فيها وفي مجتمعها ، وتحوّلت السلطة من خلالِ القمعِ إلى مجالٍ للتوحّش السياسي ضد الفرد والجماعة ، ومن خلال هكذا واقع خرجت فئآت شبابية بشكلٍ خاص على مجال التوحش السياسي الرسمي من خلال لجوئها إلى تنظيماتٍ متطرفة دينية ، وراحت تناهض الانظمة الاستبدادية من خلال العنف والتطرف الفكري ، ومن خلال ثقافةٍ متطرفةٍ تكفيرية ، بمعنى أنها تكفّر الآخر بغضِ النظر إن كان مسلماً أو من طائفةٍ أخرى ، وتنبذه وتقصيه وتقتله .
من خلال هذا السياق نقول أن ثقافة الفكر التكفيري هي من نتاج التعليم الديني المتشدد أو من القراءات السطحيّة للنصوص ، وهنا تكمن العلّة الأكثر عمقاً وراء طغيان الارهاب التكفيري .
ولا نستطيع إلاّ أن نذكر هنا أسباب اقتصادية لانتشار التطرف ، مثل الفقر والتهميش والبطالة والمرض والجهل ، وسوى ذلك من أمور كانت مناخاً مليئاً باليأس والاحباط ، والذي دفع ببعض الشباب أو بكتل شبابية إلأى الالتحاق بتشكيلات الاسلام السياسي المتطرف لمواجهة السلطة والتحرر من اليأس والاحباط .
فالمتطرف يستخدم العنف لجعلك أو لإجبارك أن تؤمن بفكرته ، وعنفه وتطرفه ورؤيته .
فلكي نحارب التطرف علينا أن نُصلح كلّ الأجهزة الأمنيّة ، وتحسين نظام التعليم ، وتطوير قطاع الأعمال والصحة والخدمات ، وإصلاح القضاء ، ودعم قدرات الشباب ، فبيئة الفساد الفكري والسلوكي والاقتصادي بمرور الزمن تبيد المجتمع ، وتبقى أجهزةٌ بعينها مستفيدة من الفساد المتفشي ومتورّطه فيه ،
لذلك إن التداول السلمي للسلطة يفتح طريقاً فسيحاً لاستيعاب مختلف الطاقات وعملها بصورةٍ حقيقية ، ويقف حائلاً أمام نشوء السلطة المنغمسة بالمال الفاسد والمستفيدة من المتطرفين لترسيخ وحماية وجودها .
فالفهم الخاطىء للدين ومبادئه، والاحباط الذي يلقاه الشباب نتيجة افتقادهم المُثل التي آمنوا بها في سلوك المجتمع ، والخطأ في إدراك حقيقة المثل العليا وطبيعة المجتمعات الانسانية واسلوب الاصلاح ، وشيوع القهر والقمع سواء كان على مستوى الاسرة أو المجتمع والدولة ، وغياب الحوار المفتوح ، كل هذه الأمور وسواها هي سبباً رئيسياً في انتشار الفكر المتطرف ، حيث أن القمع ذاته هو سبباً أساسياً لاثارة التطرف والعنف وليس علاجاً له .
لذلك إنّ مواجهة التطرف ومحاربة التطرف يتطلّب وضع استراتيجية طويلة المدى على المستوى القومي ترتكز بشكلٍ أساسي على ضرورة التطوير الحقيقي للتعليم بكل مراحله ، وتشجيع النقاش والنقد ، والابداع والابتكار ، ومحاربة الفساد المستشري بكل صوره وأشكاله ، والعمل على إقامة مشروع تنموي نهضوي حضاري شامل يكون عماده كل مكونات المجتمع كوضعٍ وكمشاركةٍ وتنفيذاً ، مع إعلاء قيم العمل والعلم والثقافة والهوية والولاء والانتماء ، واطلاق سياسة الحريات والتعددية والتوزيع العادل للثروة ، والربط الجوهري بين العطاء للمجتمع ، والعطاء للفرد أو للمواطن .
فالتطرف لا تتم مواجهته بالسلاح فقط ، بل يُواجه من خلالِ الثقافة والوعي والفكر السليم والعلم ومحاربة الفقر والبطالة ، واشاعة سياسة التعايش بين كل مكونات المجتمع الذي يجب أن يكون متآلفاً ومتساوياً في كامل حقوقه وواجباته من خلال سيادة القانون .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق