قصة قصيرة
رحيل خريفي
المقطع الثاني
أخرجت قدميها وحررتهما من ثوبها ، لكي توسع مساحة لإسناده. وزحفت بالطست بينهما. و أنعمت نظرها بالجسد الذي لم يعد تربطه صلة بتلك المتانة. ولا حتى للأيام التي تزوج فيها الصبية ، التي ما أتاح لها أن تتبحر بخفايا جسده.أخفى عنها ملامح هرمه .
وحتى في إهماله للكبيرة ، ظلّت هي البادئة ، على خفاياه لوحدها . مراقبة ــ آنذاك ــ عن كثب : كيف يذوي ذلك الجسد . وكيف تبصمه تلك السنون، ببصماتها القاسية. وكان ركونه إليها يسرّها. فهو يقر ّ، رغما عنه بأنها رفيقة دربه لأيام شبابه و شيبه وضنكه.
ومنذ أن تلفعا بعباءة واحدة ، و حتى هذا اليوم ، لاحظت برؤية دقيقة تفاصيله .
دعمت بذراعها الأيسر كل أضلاعه ، من اليسار الى اليمين . وأمعنت بتدليك جسده.. كأنها سيدته . كأنها تجلوه ، لكي تعثر على عمرهما و غبرته ، مثل طريق شائكة ، تعرف مسالكها شبرا .. شبرا.
ضغطت بيسارها، كي تسنده أكثر الى صدرها ، بينما تسربت حرارته ، عبر ثوبها المخضل، بنداوة جسده. و تذكرت تلك الأيام القريرة ، وجسداهما يتلفعان بعباءة واحدة. وتحت دثارها .. ألفت رفقة صادقة ، وحنانا صادقا . و ذلك الانثيال ، لنثار الحب الذي ما كفرت به . وما وهنت قناعتها : بأن قصور الدنيا لا تضاهي لياليه.
كم تغيرت الأشياء ؟؟ كانت ــ حينذاك ــ فتاة رقيقة ، ناعمة. هادئة الطبع . مطيعة. وكانت .. تستلقي على ذراعه ، أيام الدفء . وتتلفع بدفئه أيام البرد.
دلقت على رأسه كاسة من ماء دافئ. دلكته ، صانعة من رغوة بيضاء. انداحت رائحتها طيّبة .
سكبت أخرى دافئة . تسرب دفؤها الى جسدها ، بحيث أحسّته يهبط، جاريا بحرارته ، وسط برودة الماء السابق... وينحدر ممعنا بين ردفيها.
قال المريض بصوت أنعشه الماء الدافئ:
ــ دلّكي ظهري .. كم قسوت.. عليك ؟
قالت:
ــ لا عليك . اترك تلك الأمور..
قال:
ــ برّئي ذمّتي .
قالت :
ــ برّأتك...
قال:
ــ وأنت كذلك.
واصلت الذراع الأيسر احتضانه ، وأحكمت ساقيها ، متلافية انبعاج الطست. و أحاطت فيهما جسده. أمعنت بتدليك الصدر . و البطن ، و الذراعين.و مناطق أخرى.ثم أبرت الوجه برغوة لكي تزيل تلك الغمّة.
كانت فرعتا ظهره، يتقوسان إلى أمام . و الخندقان يغوران على نحو محزن.و رغم هذا لم يتغربا عنها . بل عادت الفتهما . و أحست إن دموعها همت . وتلاشت مع انزلاق الرغوة . و اقتربت شفتاها : من منخفض الترقوة ، لتحسس المريض .. بحضور عاطفي كامل.
قال:
ــ أحس بارتياح.
لم تجب... بل أعطت حيزا ، لكي تنحرف بالطست، على نحو مغاير. و تُمعن بتدليك الظهر، و المناطق الخلفية السفلى.
أراح حنكه على كتفها الأيسر ــ عند الترقوة ــ بحيث.. دعمت خدّه الملتحي بحنكها.. مقتربة لقذاله ، بشفتيها. مسوّرة جسده بركبتيها، ثم قالت رقيق:
ــ هل أنت متضايق؟ أأترك حيّزا تأخذ نفسا؟
قال بصوته الواهن :
ــ واصلي .
لاذت ملابسه النظيفة ــ التي استحضرت ــ خلفها.
نادت الكنّة على العمّة، من خلف الباب:
ــ هل تحتاجين شيئا أيتها العمّة؟
قالت :
ــ لا أحتاج.
كانت ذراعا المريض، تزحفان بعناء لكي تستلقيا على عطفيها، وبدا جسده على نحو واضح،مدعوما بزندين سافرين، يستلقي رهال لحمتهما اللدنة على جسده ، بشكل يوحي اليه، بإلفة مفتقدة، ونسمة شفيفة من إثارة لمشاعره الكابية .
قالت:
ــ كيف أصل الى أسفل جسدك؟
عَبَرَت بساقيها. وسط الطست. حاوية إيّاه، بذراعيها ، لاصقة قدميها بالتعاقب.متّكئة الى الخلف ، بحيث : أمسى بإمكانها ، أن تمرر يديها بالصابون الى أسفل.وخرطت بعناية دائبة ، تلك الظُلمة، وعلى نحو سريع. مارّة ، بإمعان حتى طرفيه.
قالت الكنة من خلف الباب:
ــ أتحتاجين ماء دافئا أيتها العمّة؟
قالت:
ــ لست بحاجة.
سكبت الماء على قمّة الرأس و الوجه. سكبت على الصدر . سكبت على الظهر.مُتيحة للماء أن يندلق، من صدرها على الثديين، الى حوضها و بين الردفين.
رفعته بنصف استلقاءة. منحرفة عن الطست. دافعة إيّاه الى أمام. و شرعت يداها تمّرّان بالمنشف : من قمّة رأسه حتى قدميه. ثم امتدت يمناها، لاقطة ملابسه قطعة قطعة . متيحة لنفسها :أن تتريّث، و تأخذ نفسا هادئا، يفعمها .. ذلك العطر المنبعث من جسده ، و فروة رأسه.
اكتست الوسادة ، بشرشف نظيف. الفراش و الغطاء كذلك.. أراحته على فراشه و غطّته . طلبت مشطا لتسرّح شعر لحيته ، و فروة رأسه، فبدا بوضع أفضل .
نادت على الكنّة ثانية:
ــ اسرعي يا بنيّة .
موسى غافل
يتبع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق