الخميس، 10 ديسمبر 2020

قصة قصيرة مقايضة بقلم // عبد الجابر حبيب

 قصة قصيرة

مقايضة 



طابور طويل.  من أين له الصبر حتى يَحين دوره ليفوز بكيس خبزٍ يتيم . أخرج هويته الثانية ربما تكون شفيعة له عند الضابط الذي يشرف على تنظيم الدور. ربماهي الحرب فعلاً التي فرزت العشرات من الميليشيات، فترى أحد الشبان يرتدي بنطالاً مموِّها وسترة ضيقة بعض الشيء يبرز صدره من خلالها نحو الأعلى،  يبدأ خطواته بثقة،و بحركة قدميه يرسم ملامح  فيلم بوليسي لا يظهر سوى حذاءً أسوداً لامعاً يتحرك في ممر  ضيق أو يصعد درجاً رخامياً يصل بصاحبه إلى خزينة مليئة بملايين الليرات. لم يلتفت أحد من  أولئك الذين تجمدت أوصالهم برداً من  زمهريرالشتاء الذي يجعل بخار الأفواه كدخان قطار بخاري بخلاف لونه، مابين الأسود كالقطران،  والرمادي الشفاف. وصل الشاب بخطواته التي تزداد بصاحبها شموخاً إلى العسكري الذي يفرز المدنيين عن العساكر. أوقفه سائلاً : من أنت ؟ 

أجاب الشاب دون تردد : زميلك.. أريد كيسين من الخبز ...

أما العسكري فقد ابتسم ابتسامة  لاتخلو من التهكم والسخرية. مجيباً إياه:    وكيف لي أن أعرفك من غير بطاقتك ـ الشخصيةـ العسكرية طبعاً ؟ مادمت زميلي كما تزعم .


أخرج الشاب بطاقة خاصة بالفرع، أوبالجهة التي يخدم فيها  وهو على يقين تام بأنها ستخرس كل من حاول النيل من شخصيته الوطنية التي لاغبار عليها. لكنْ لكل طارئ ظروفه الخاصةبه. ما أن أمسك العسكري البطاقة حتى امتلأت خداه بالدم المتصاعد نتيجة كتمه ضحكة بحجم فيلٍ  تجاوز عمره عمر الشاب صاحب البطاقة العجيبة كما رآها العسكري، والتي كادت تسبب انفجاراً لأحد أولئك العساكر الذين يحاولون أن لاتذهب دماؤهم سدىً، فالوطن أحق بكثير من هذه التفاهات  ليقدم كل عسكري، أو مواطن شريف روحه،  ودمه قرباناً لعزته وفخره. لم يطل العسكري الحديث مع الشاب صاحب السترة المموهة قائلاً له : لو سمحت ياصديقي اذهب إلى الضابط المناوب هناك ... لينظر بأمرك .


مازال الشاب يتبختر كالطاووس في وسط الساحة وجمهور الطابور قد وجد مشهداً يتسلى به كي يقتل الملل الذي تسرب إليه من خلال تلك الرعشات الباردة؛  التي تفصل الروح عن الجسد. 

سار الشاب حاملاً هاتفه الجوال بيد،  واليد الأخرى قابضة على حقيبة صغيرة تحتوي أوراقاً متنوعة تخص أموره الشخصية على حد قوله المزعوم ..


 لكن الضابط المسؤول لم يكلف نفسه عناء المناقشة بعدما وقع نظره على الهوية التي كان الشاب يفتخر بها أكثر من هويته المدينة التي تثبت انتماؤه للوطن، لا يُعاتب الشاب على ذلك فأي شخص محله قد يفكر بذات الطريقة. خاصة لو عرفت أن الحصول على  ـ ربطة خبز ـ كيس خبز  بمثابة حصولك على وطن في الغربة. 

احمَّرت وجنتا الشاب فجأة ولم يدرِ أحد سبب ذلك حتى الآن.  أهو الخجل من جمهور الطابور الذي راقب المشهد من البداية حتى النهاية. أم من غضب ألمَّ به بعدما وجد عدم الجدوى من نقاش  لايُحمد عقباه. 

ولكن الأرجح كان الغضب هو السبب الرئيس .. 

فقد أسمعَ بصوته كلّ مَنْ في الساحة : إذا لم تعترف بهذه الهوية فما عدت بحاجة لها ...وبحركة استعراضية رماها في وجه الضابط الذي لم يكن يتوقع ماحصل من ذلك الشاب أمام جمهور قد يشمت به وبنجوم  تزين كتفيه فهذه إهانة لشرفه العسكري. خاصة لديه إحساس منذ إن التحق بالكلية الحربية بأن المدني قد يكتم بغضاً للعسكري، وكأن الوطن للعسكري دون المدني. 

بصرخة مدوِّية طلب من عساكره القبض على الشاب المموه بسترته وملامحه الغاضبة التي اجتاحته. 


عندما حاول الخروج من ساحة الفرن أوقفه شرطي على الباب.  فأصبح أمام  أحد الأمرين إما أن يفرغ جام غضبه في لكم الضابط أو أن يخبط هاتفه الجوال بالجدار . وهو أهون الشرين 

وكان أحد الأصوات صادراً من جمهور الطابور يقول : لو قلت منذ البداية أنك أخو  الشهيد 

رد عليه شخص آخر:  يا حسرة الوطن على شهيد أصبح سعره؛ سعر كيس خبز، أو جرة غاز ..

أما أنا فبقيتُ على أحرِّ من الجمر أنتظر قدوم الخبز  إلى الكوة التي تشبه نافذة الأمنيات...


...عبدالجابر حبيب  ٨/١٢/٢٠٢٠ الساعة الثانية ليلاً ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق