الخميس، 10 ديسمبر 2020

المركوب بقلم // شوقية عروق منصور

 قصة قصيرة

المركوب

"طول عمرك مركوب " ابتسم واعتبر كلماتها نوعاً من الغزل الأنثوي المغسول بغضب عابر، لكن هي قصدت ان تطعنه في رجولته لأنها سئمت ابتسامته الساذجة المغموسة بزيت الذل  الممسوحة بفرح غبي .

القى تحية الصباح على امه ، التي وجدها واقفة تنتظره امام الباب ،  لم ترد عليه ، مضى الى عمله ، لا يريد ان يشغل باله بامرأة عجوز وزوجة ارادت ان تبدأ اليوم بشجار وصراخ واتهام انه يتعاطف مع امه .

كان لقبه ابن امه، حيث اصرت بعد موت والده ان لا تتزوج رغم انها كانت صغيرة السن وجميلة ، لم تستغل شبابها  للبحث عن زوج ثان ، رهنت حياتها له ولتربيته ، لكن بما ان امه شابه فعليها ان تعيش في كنف اسرتها ، من العيب ان تعيش لوحدها ، لأن هناك من سيطمع فيها وفي وحدتها المكللة بسهر الليالي وجفاف القلب والجسد.

لقد تربى في بيت جده والد امه ، ومقابل التربية كان  هو الخادم الصغير ، يلبي الأوامر ويقدم الطلبات ويشتري ويعمل ويدلل الاطفال الذين يأتون كلما تزوج احد اخواله او خالاته ، البيت الكبير يضيق ، وروح الجد تحولت الى خرف أو ضياع محاصر بالعيون ، خاصة عيون امه الحريصة على سمعة العائلة التي ترفض جنون الجد ، حتى الجيران نظروا اليه أيضاً كخادم ،  نسي طفولته  وبقي يحارب بسلاح الطاعة وطأطأة الرأس ليجد مكاناً لوجوده في العائلة  ، انه يحمي امه من نظرات الأخوال التي تشق التطفل الذي ينخر كالسوس ، وتحوله الى تساؤل عن وجودها الغريب الذي يسرق منهم مساحة من البيت ، ويحتل الأجواء التي كان من المفروض ان تقع تحت خطوات الرحيل  والابتعاد عن البيت .

حتى زواجه كان من منطلق رد الدين لخاله الذي كان يعطف عليه ، وترميم الوضع المقلوب الذي افرزته الظروف نتيجة موت ابيه ، تزوج ابنة خاله القوية المسترجلة فقد وجد فيه خاله وزوجته ، الزوج الذي يستطيع تحمل ابنتهم دون تذمر ، وتحمل تصرفاتها التي هي اقرب للوحشية .

امه تؤكد له ان زوجته تنظر اليه كالحمار ، انه يطيعها ويلبي طلباتها ويقبل اهانتها ، وزوجته تقول : انت حمار امك ، هي تستعبدك ، وتتدخل في شؤونك ،  ولها طلبات غريبة ، يعني اذا هي لم تتزوج لازم تتحملها طول عمرك  .

يومياً يمر بهذه الصور الصباحية ، زوجته تتكلم عن امه وامه تتكلم عن زوجته  كأنهما في ساحة معركة ، لا يجيب ، يرسم ابتسامة على شفتيه بمقياس يجبرها على الصمت ، واذا تمادت بالكلام يزيد من مقياس الابتسامة حتى ينهي فطوره ، خلال نزوله من بيته في الطابق الثاني  يحاول ان لا يسمع لأمه التي تقف له بالمرصاد امام بيتها في الطابق الأول ، يبتسم لأمه ، التي تتكلم بسرعة ، كأنها تريد حشو العبارات في اذنيه ، لكن هو يزيد من ابتسامته ، فتكشر وتشتمه وتقول له : واحد مركوب .

في العمل هو على موعد مع الجثث الباردة التي تنتظره في ثلاجة حفظ الموتى،  هو يعمل سائقاً على سيارة نقل الموتى ، ينقل يومياً جثث الموتى من المستشفى الى بيوتهم ، والتي غالباً ما يستقبله اهالي الموتى بالصراخ والعويل والدموع ، وحين يدخل النقالة التي يرقد عليها الميت الى داخل البيت يسقط في احضان المتواجدين الذين يريدون الاقتراب لرؤية الميت ، يركبونه ويسحقون جسده وهم يتدافعون لرؤية الميت ، المسجى امامهم ، ويلعنونه في سرهم لأنه حامل الموت .

تكونت صداقة بينه وبين الناس ووجوه الاموات الصفراء التي تميل الى اللون الازرق والدموع  والإهانات والنواح ، ووجد ان هناك من يكرهه ، يبغضه ، لأنه يعرف لحظات ضعفهم ، فالحزن قمة الضعف ، واصبح للبعض الآخر عجينة التشاؤم التي تخبز صباحاً وتلتصق طوال اليوم ، فعندما يرونه صباحاً يتشاءمون حتى انهم يغيرون طريقهم حتى لو كانوا في طريقهم لعملهم .

في سيارة نقل الموتى هو الراكب القوي، هو ملك الحياة يقود الموت، زمام الأمور بيده ، السرعة ، البطء ، الغناء ، يغني يرفع صوته بالغناء ، يملك عدة كاسيتات في السيارة يضع احدها عندما يواجه الهروب من فكرة قيادة الموت ، خاصة اذا كان الميت بدون اقارب ولا احد ينتظره ، تسري الموسيقى في دمه ، يشتعل ايقاعها فيستغل وجود الجثة التي تئن من الوحدة ، ويذهب بها الى شاطىء البحر ، يقف متأملاً الأمواج والأفق الذي يحتضن السماء والبحر .

هذا الصباح  ادعت زوجته بانه مركوب ، وامه عايرته بأنه مركوب ، في المستشفى جلس في المقصف يشرب القهوة ، يغسل الصباح المشرق ببعض البن الأسود ، ما دام اللون الأسود سيقف امامه طوال اليوم .

ينتظر تجهيز أوراق الميت ، بعد قليل سيحمل الأوراق التي ستتحول الى رقم يضيع مع الأرقام التي تؤكد عدد الوفيات في الدولة ، نادته المسؤولة وناولته العنوان ، الجثة لعجوز لا اقارب له  ، عليه توصيلها لأحد بيوت العجزة في المدينة المجاورة ، وبينما هو يغلق الباب الخلفي للسيارة ويستعد للسير ، فكر لماذا لا يأخذ زوجته معه ، لعلها تخرج من قوقعتها البيتية ، تكلم بالهاتف معها وطلب منها تحضير نفسها ، قال لها سيمر بعد دقائق ويأخذها ، وأضاف وهو يقهقه انه سيأخذها مشوار الى المدينة المجاورة .

مرت زوجته من امام باب بيت امه أطلت الأم ، فتحت الباب على مصراعيه وقالت :

- الصبح قلت عنك مركوب لمرتك ..!! خجل وطلب منها ان تجهز نفسها سيأخذها معهم بالسيارة الى المدينة المجاورة .

فتحت باب السيارة رفضت امه ان تجلس في الكرسي الخلفي  ، اصرت ان تجلس الى جانبه ، كذلك زوجته اصرت ان تجلس الى جانبه لا تريد الجلوس بالخلف.

تشاجرت امه وزوجته تعاركتا فوق الجثة ،  لم يتكلم ، لم يحاول الفصل بينهما ، ضربته امه وقالت مركوب لمرتك ، ضربته زوجته وقالت مركوب لأمك .

تركهم ونزل من السيارة ، جلس على حافة الطريق ، ثم رجع الى السيارة  ووضع كاسيت اغنية  ليلى مراد (الدنيا حلوة نغمتها حلوة  ).

نظر الى امه وزوجته، ما زالتا فوق الجثة تتعاركان .

شوقية عروق منصور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق