الخميس، 10 ديسمبر 2020

حكاية الأسد والذئب بقلم // رياض انقزو

 ة قصيرة

حكاية الأسد والذئب

شعر الأسد يوما بالانقباض.لقد أصبحت الغابة أكثر مروقا عن القانون. ازداد ت مشاكسات القردة، وعلا نعيق الغربان، والضباع أتت على كلّ الفرائس، اللبؤة غادرت العرين، وكذلك فعلت الأشبال. البهائم جميعها في حركة مريبة. وحده الأسد لم يمسّه هذا الوباء مع أنّه قد تقدّم في السنّ و طعن. سبب ذلك وزيره الذئب الذي استدعاه للتسلية والمشورة.

وما إن دخل وتصدّر المجلس بجانب الأسد حتّى شرع هذا الأخير يقصّ عليه كيف أنّ فريسة عنيدة قاومته وكادت تهرب من بين مخالبه لولا براعته وقوّته. وكان الأسد يطيل في الحكي واستعراض قدراته القتالية.وكان لا ينهي الحكاية إلا ليعود ويحكيها من جديد مضيفا بعض التفاصيل التي نسي روايتها. انتاب الضجر الذئب، وحاول الفكاك من الاستماع لحكاياته المملّة.لم تفلح محاولاته وبدأ اليأس يصيبه.صار يلتفت يمنة ويسرة كمن يستعدّ لخطر داهم، يئنّ أنين من اشتدّت به علّة، يغادر مقعده، يهمس لأحد الحراس، لكن كلّ محاولاته لم تؤت أكلها.واصل الأسد قصّته عن الفريسة.

"سيعيد هذا الهرم القصّة وسيطيل في الحكي ما أطالت شهرزاد.كم هو ساذج! وبما أنّه لا يفهم بالغمز والتلميح يتحتّم عليّ اللمز والتصريح".

- إن سمحت - سيّدي – أتعلم ما سبب الهرج الذي تعيشه غابتك؟

- لا تهتمّ لا تهتمّ...أتعلم أنت؟

- العدل...والقانون...وغياب النظام...فلا عمل ولا ترفيه ولا أكل ولا كرامة. والأهمّ لا وقت للراحة ولا وقت للتفكير. الليل تقدّم كثيرا ونحن نتسامر، وان واصلنا قد يصيبنا الإرهاق وننسى شؤون الرعيّة.

- نعم..نعم...أعلم ذلك.أنت ما جانبت الصواب.روى لي جدّي وأنا شبل حكاية الأسد والضباع.

ويشرع الأسد يقصّ القصّة التي سمعها من جدّه رافعا صوته حينا مقطّبا جبينه أحيانا.اقتربت عقارب الساعة من منتصف الليل، تمّ تجاوزت الثانية فالثالثة وهو لم يفرغ بعد من حكايته.قلق الذئب أكثر. "آه!ألهذا الحدّ هو بطيء الفهم؟ ألم يحسّ بثقل حديثه عليّ؟ والخطب الجلل الذي يتهدّدنا؟ كيف يمكن أن أجعله يهتم بكلامي وبما يحيط بنا؟".

- لحظة سيدي- قال مقاطعا الأسد- إن سمحت...إنّي أسمع نداء استغاثة بدا لي وكأنّه صوت لبؤة وشبل.

- لا تقلق لقد درّبت أشبالي على الفتك و القتال وأمّهم على الإحاطة والانقضاض. أظنّك أخطأت السمع. ليس بإمكان بهيمة من هذه البهائم أن تنال منهم أو حتّى التفكير في ذلك.

وبدأ الأسد يسرد على مسامع الذئب بطولات أشباله وسرعة تعلّمهم.دقّت الساعة الرابعة صباحا.

- بعد إذنك – سيدي –هلّا أخبرتني أيّ وقت أنسب للنظر في شؤون رعيّتك والقيام على مملكتك؟

- وما الدّاعي لذلك؟ الكلّ في سبات.وان لزم الأمر فمن حين لحين، ويحدث أن لا أجد الوقت، ولا أكلّف نفسي مشقة ولي من الأعوان نخبة ومن الأوفياء زمرة.هذه الليلة على سبيل المثال وأنا برفقتك، أنام مطمئنّ البال متيقنا من راحة الجميع. كان والدي يحدّثني عن فضل الأعوان على السلطان. ممّا أذكره من حديثه استشار أسد يوما بوما...

- لو سمحت – سيدي- نداء الاستغاثة يزداد والأصوات تتداخل، أصوات متقطّعة توحي بالإنهاك والجوع.

- نعم...نعم...الجوع مفيد للصحّة.لا أمراض مزمنة ولا مغص في الأمعاء ولا ألم التخمة ولا إطناب في التفكير. أتعرف حكاية الضفدع الذي شرب ما بالغدير من ماء؟

- أأخبرتك - سيّدي- بأنّي افقد صوابي وقدرتي على التركيز كلّ يوم في مثل هذه الساعة؟ وهذا يحول دوني ومساعدتك.

- يا الله! كان عليك أن تتوقّى وأن تحافظ على كلّ قواك. لا علينا...يا لكثرة الأعوان في هذه الغابة، الحمير والضباع والثعالب.

هزّ الذئب ذيله ثمّ أنزله تعبيرا عن حيرته وخوفه. " وجدتها- استدرك الذئب- فيما أذكر قرأت أمثالا قد تنفع في مثل ما أنا فيه".

- دعنا من ذلك – قطع الذئب على الأسد حديثه – ما قولك في ان أسلّك وأخفّف عنك؟ سأقصّ عليك بعض الحكايات.

وقبل أن يجيبه طفق يقصّ عليه ما يستحضره من حكايات "باب الأسد والثور". عدّل الأسد من جلسته وتأهّب للاستماع. وكان الذئب يقطع القصّ من حين لآخر ليختبر ردّة فعله.

- آه كم هو محظوظ - تنهّد الأسد- ليت لي من الرفقة والأعوان ما كان لهن ثور كريم وابن آوى عليم وفهد فهيم.

مضى الذئب يسرد المثل تلوى المثل، وضمّن من الحكايات ما لم يرد بالباب إلى أن وصل لحكاية البوم الذي خطب بومة وجعلت مهرها مائة قرية خرابا.

- دعنا من هذه الحكايات إنّها ليست إلا للهو والانشغال عن دواليب الحكم. لم أنه بعد ما كنت أقصّه عليك من خبر أبي واستشارته للبوم.

طأطأ الذئب رأسه علامة استسلام ثمّ تمدّد على الأرض واضعا رأسه بين قدميه الممدودتين أمامه ناصبا أذنيه كالرادار.

سيّدي،سيدي - قطع كلام الأسد- هرج ومرج بالغابة والجلبة تشتدّ حول العرين، يبدو أنّ...

- أطنبت في الحكايات حتّى هيّئ لك أنّك تسمع ما لا أسمع و تتوقّع ما لا أتوقّع . يبدو لك ماذا؟

- يبدو أن الرعيّة أبقت، وعزمت، وبودّي أن تتدارك الأمر.

- ومن أين لك بما قلت؟ الوقت تأخّر وأصبحت تهذي. طالت زيارتك ،انصرف واحذر عثرات الطريق.

خرج الذئب بعد أن أدّى تحية الولاء والطاعة. ما كاد يبتعد عن العرين خطوات معدودات حتّى أصابته رصاصة أردته قتيلا.

تعالت قهقهات الأسد وهمّ بالزئير، وقبل أن يفعل اشتدّ الصهيل والنهيق والنقيق والحفيف والعواء والنباح، واقتحم عليه العرين شبل يافع من أشباله وقد أحاطت به البهائم معلنة البيعة والولاء.

رياض انقزو

مساكن/تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق