قصة قصيرة
طارق ألليل
المقطع الاول
قبل هذا الليل المقرور، كانت المدينة تستلقي.. مثل نجمة متألّقة . تتوهّج ذوائبها بدفق من شلال ضوئي . تشعشع خيوطُه الذهبية، في رقص زاه مفرط ، تأطّرت بجدائل يتوسمها لون حنّي، لفتاة قمريّة الوجه. راقدة بعري كامل. تحت ألق نوراني . هاجعة بوداعة وأمان. فارتخت و انغمرت بنوم حالمٍ، كزهرة ضوّعها نثيث العطر، و العشق و الدعابة.
وقيس العاشق يصدح بصوته . فيتداعى غناؤه بعذوبة، تحت ابتسامة القمر،و دثار الليل الشاحب.
ينغمر العشّاق بشلال من الصِبا ، و الحلم بالتلاقي. و الهيام . محلّقين بأجنحة ملائكية. ليس فقط لليلاه، بل لكل من لها قلب عصفور.
فأي كاعب .. لم يزدهر حبّها بأنين قيس ؟ و أي شمائل .. وأي هيف ، لم يتقمص ليلاه؟
أي رجل .. لم يرحب قائلا : ( أهلا بابن أخي قيس .. أجئت تطلب شيئا ؟) .
في كل ليلة مقمرة : يسهر العشاق.. مثل نجيمات.. أرّقهن الهوى وأنين قيس ...
* * *
جُنّ قيس بعشق الحليم. واعتمر لحافه فوق هامته. و الريح .... يكل عويلها، وتهمد من كثرة الإعياء، كأن صليلا قارصا ثقيلا تداعى بها . فناخت وافترشت شوارع المدينة وأزقّتًها.
و النجوم .. أصابها برد، واحتبس تألّقُها. وعتم كيفُها . و دثّرتها دجنةٌ غمّاء.
يتلفّع قيس بمعطفه الخلق ، فوق سترته، المتخمة بحشو من صحف الأعوام الراقدة . فتح بطانتَها على مخابئها ، وحشر الجرائدَ حتّى شبحت يداه، لكي تتدفّأ أضلُعَه، وتحتمي من صليل لا يطاق. فاستفرد البرد بوجهه الملتحي و قدميه.
هبط المدينة من بوّابتها الغربية . يتنقل بتثاقل . وسط أزقّة المدينةِ وشوارعِها، التي أقفرت من أُناسها. وعصاه ذات العقب الحديدي ، تقرع وجه الإسفلت. وتصدعُ صمتَ ألليل . فيوحى للسامع اللائذ بثقل دثاره: إيقاع عصا قيس الرتيب، الذي : ما استطاع أن يرسم ، على أديمه ، بيت شعر واحد، أو حرفا يناجي به ليلاه.فاستعاض بالقرع. كأنه يحاكي الليل الموحش، و الصمت المطبق. وتباطؤ خطواتِه. في ليلٍ : أثقل أجسادا منهكة، لكلاب هدّها الإملاقُ و الإجهادُ من سهر حراسة الليل الأسود.
وأُخرى .. تترك وقعاً خافتا لأطرافها . ماضيةً في البحث، عن ملاذ دافئ. ليس عدا هذا بقادر على خرم إهاب الليل وبلواه .
حتى قيس .. ابتلع لسانه. وحبس نطقه. وبات البُكم في هذه المدينة سمة متحركة. محسوسة الأبعاد توحي : بأن لها أبعاداً لونية ولها ملامح.
ربما هو البرد. ربما هو إهاب الليل . وعقم الزمن .. أو ثكلان نجومه.
لا يروقُه.. إلاّ أن يتلفّع . فاحتضرت الأنوار شيئا إثر شيء. وبات لاينتهك حرمة ذلك: سوى .. ذبالةُ حمرة ذاوية، لضوء قزّمه البرد.تهتك كلكله عصا قيس و قدماه . وهمهمةُ كلاب... شبه نافقة. غيرها هجع بصرعات مؤلمة. من ثقل حندسٍ مقرور،كأن المدينةَ خلدت إلى غيبوبة، بعد إجهاد و تشنجات. كأنّها تتواءم مع محنة قيس. ليس واضحا: من هو المغلوب..مغني المدينة أم هي؟
ألقى الظلام إهابه الثقيل ، مثل حيوان اسطوري، يلتف على جسد المدينة و يفترسها بدم بارد.
وقيسُ لا يعبأ بشيء . لا وجود لشيء يخشى فقدانه. فتمضي خطواتُه لا تتهيب من شيء. يقرع بعصاه وجه الليل. البرد يقلب قرعاتها.. إلى كراتٍ زجاجيةٍ . ماضية بإيقاعها. فيبتلعُه الظلامُ بالتعاقب.
حتى إمعانَ خطواته إلى ( مقهى عبيد )، الراكنة قبالة ( جسر يافطات الموت ) تتواقح مع الدجنة المأتمية . التي ظل البردُ يجثم على جسد المدينة ، ويفترسُها بين قوائمه. بنواجذه الحديدية.
ألآن..هاهنا.. مكثت الأرائك المترملة. مجافية.. وجه النهر الطحلبي . متطلعةً ببلادةٍ: إلى حلكة جثت على كل شيء. وقيس.. ينفرد واقفا ، كأنه يحصي الخسائر، أمام هذا الخلو ، من الأرائك المتداعية . بلا أقداح شاي ساخنة ولا صديق. ولا.. قدحةِ ذهنٍ معافى.لكي يرضى بغياب ذلك، و ينسى احتفالاته ، بشاي من يد ( قنبر) و نداء ( عبيد ) الجهوري، وهو يتنقّل بطبلات الشاي بين الروّاد، و يهتف: ( ثلاث شايات. صار أربعة للأساتذة. شاي خامس للعاشق ) . فيحتسي قيس بشرود و يمضي .
لم يهمل قيسُ ما اعتاد عليه . وواظبت يدُه على رفقة الجريدة طوال أعوام، طواها الزمن ، وحتى هذه .
يقلب الصفحات المهترئة، وصوت عبيد يهتف : ( ماذا تقول الجرايد ؟ ).حينئذ... يلُقي إليه بنظرة ساخرة ، و ابتسامة صامتة غامضة ،التي خلّدت كالوشم على شفتيه.
يتبع
موسى غافل
10/شباط/2002
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق