الخميس، 24 ديسمبر 2020

قصة لقاء في العيادة بقلم // لخضر توامة

 قصة : لقاء في العيادة.

ذات ليلة وأنا نائم أحسست بأ لام فضيعة تمزق بطني وتطيّر النوم من عينيّ ، أزحت الغطاء وأنا أتوجع واضعا يدي على بطني ، جلست في الفراش ، أشعلت مصباح السرير ، ثم قمت وتوجهت إلى الحمام ، لكن الآلام لم تبرح مكانها ، نظرت إلى ساعتي كانت الخامسة والنصف والوقت ربيع ، فالشمس على وشك الشروق ، تهيّأت إلى الخروج  ، كنت أشعر بعض الوقت براحة ، ثم تعاود الآلام من جديد ، خرجت من المنزل واتجهت بسيارتي إلى عيادة طبيب مختص في الأمراض الباطينية ، كنت الأول دخلت إليه فحصني فحصا دقيقا ، ثم عاد إلى المكتب صامتا ، خفت واتعبت من سكوته ، ولما سألته ماذا بي؟ قال : لا شيء بك ، قلت : وما أشعر به ماسببه؟ قال : مرّات نشعر بآلام  وعند الفحص لا نجد شيئا ، ثم كتب لي أدوية قليلة. خرجت من عنده وأنا ألوم نفسي لم أتيت  عنده؟ هذا طبيب صغير السن والتجربة ، سأذهب إلى طبيب محنّك ومجرّب .

ركبت سيارتي واتجهت إلى صديق أستشيره ، وصلت عنده أشار لي بأن أذهب إلى طبيب عام مشهور ، أخذت برأيه ورحت إليه ، وجدت خلقا كثيرا ينتظرون  ، تأكد لي أنه مشهور، كثرة المرضى دليل على أنه طبيب جيّد ، ماذا أفعل حتى لا أطيل الانتظار ، تقدمت من الممرض وسألته عن رقمي فأشار إلى رقم  واحد مكررثلاث مرات ، فزعت وقلت له : ألا يمكن أن يتراجع هذا الرقم ؟ ونقدته ورقة من فئة ميئتين دينار فأزال أحد الأرقام  فأصبحت الحادي عشر سبحان الله كيف تتغير الأرقام ، ثم سألته : كم بقي على رقمي قال : رقم واحد وتمر

خرجت من العيادة وأشعلت سيجارة وأنا لم أفطر ، ولم أكمل السيجارة حتى نادى على اسمي فتقدمت وسط ذهو ل المنتظرين.

دخلت عند الطبيب ، كان شيخا وقورا منظره يبعث التفاؤل في المريض 

سألني : مابك ؟

قلت : في الصباح شعرت بآلام شديدة تمزق بطني

أمرني بالصعود على سرير الفحص ، راح يفحصني بعناية ويعيد ثم يعيد وهو ساكت ، وأنا أتابع ملامحه لعلها تتغير ، فإذا هو هادئ ، أمرني بالنزول وذهب إلى مكتبه ، سألني عن اسمي وعملي وحالتي الاجتماعية ، فأجبته بسرعة ، ثم سألته مابي؟ ابتسم وقال لي : أتصدّق أنه ليس لك مرض عضوي ، وإنما حالتك مزاجك غير هادئ ، ربما حالة نفسية تؤثر على الباطن فتحدث لك ألام أكتب لك دواء واحدا مهدئا.

خرجت من عنده إلى الصيدلي وصرفت الوصفتين وعدت إلى منزلي رميت الأدوية على الطاولة ، وخرجت إلى مكتبي في الشركة.

قضيت نهاري في أمان لا ألم لاشيء من ذلك ، تناولت غدائي بشهية وعدت إلى الشركة أتممت بعض الأعمال ، وعدت إلى منزلي وأنا أشعر بإرهاق وبحاجتي إلى النوم.

دخلت إلى بيتي الهدوء والسكينة يغريان بنوم عميق ، نظرت إلى ماحولي ، كان البيت في حاجة إلى ترتيب وتنسيق إلى لمسة أنثى ،طار النوم من عيني وأنا ممدّد ، تذكرت بأنني وحدي لا أنيس لي ، لو أصابني مرض في الليل من يساعدني ؟ إلى متى أبقى وحيدا ، وغفوت في نوم مضطرب ولم أفطن إلا بعد منتصف الليل.

فتحت عيني وجدت الظلام الحالك يسود الغرفة ، قمت أشعلت النور أتجهت إلى المطبخ ، كانت الفوضى تسوده ، فتحت الثلاجة ، وجدتها فارغة فقط صحن اسباقيتي ، لا أعرف متى تركته ؟ منظره بعث فيّ جوعا ، أخذته  ووضعته في المسخن الكهربائي وبعد دقائق أخرجته ساخنا فالتهمته بسرعة وشربت كأس ماء وعدت إلى فراشي أدخن سيجارة بعد سيجارة حتى امتلأت المطفأة.

وحاولت أن أنام ، لكن جفاني  أ شعلت التلفاز ومن قناة إلى قناة حتى أخذتني سنة نوم ، لا أعرف كم نمت ، قمت وأنا أشعر بثقل في بطني وألام خفيفة تأتي وتروح ، قمت أبحث عن الدواء وجدته تناولت قرصا ، هدأت قليلا ، ثم  أحسست أني أريد ان أتقيّا ، أسرعت إلى الحمام ألقيت ما في بطني وأنا أتعرّق.

عدت إلى فراشي وكان الشمس قد أشرقت ، قمت وهيّأت نفسي لكي أخرج وأنا أنوي الذهاب إلى طبيب ثالث وقد فعلت ، لكن هذا الطبيب لم يعطيني دواء ولكن وجّهني إلى طبيب نفسي

قائلا : حالتك تكون نفسية ، قلت : وهل أنا مجنون؟ ضحك وقال : أرأيت كيف أصبحت تفكر؟ الطبيب النفسي مثل الطبيب العام أو الاختصاصي ، المجنون مكانه مستشفى الأمراض العقلية  هاهو اسمه وعنوانه.

خرجت من عنده وأنا ابتسم  وأتخيل الطبيب النفسي بنظاراته السميكة وشعره المنفوش وملابسه المجعدة وهو ينظر إليّ بارتياب ، هكذا صوّرت السينما وأفلام الشاشة الصغيرة. وعدت  إلى منزلي وأنا أفكاري مشوشة لا أستقر في مكان واحد ذرعت الشقة طولا وعرضا الشقة خالية ليس بها أحد.

أنا وحدي أعيش ، المسؤولية لم تترك لي فرصة لأبحث عن عروس ، أمي رحمها الله كانت تقول لي : تزوج حتى تؤنسك في وحدتك ، وكنت أقول لها : الوقت لم يحن للزواج ، لم يكن مرتبي كافيا ولا عندي شقة ، لكن تدرجي في الوظيفة تحسن راتي وتحصلت على السكن ، لكن  بدأت رحلة المرض والعلاج ولم أفطن لنفسي إلا لما حوّلني الطبيب إلى طبيب نفسي.

في الصباح عزمت على زيارة الطبيب النفسي لعل أجد عنده حلا لمشكلتي.

صعد سلم العمارة التي فيها الطبيب شعرت بضيق في التنفس وقلبي أصبح يتسارع ماذا أجد عند الطبيب ، وصلت عند الباب ، قرأت في اللافتة اسم الطبيب ، الهدوء يخيم على المكان ، تقدمت من الباب وضعت أذني عليه لعلي أسمع صراخا ناتج عن عراك ، لكن لاشيء حتى خيّل لي أ ن الطبيب ليس هنا ، قرعت الجرس ،سمعت صوتا خفيفا منغما ، فُتح الباب، أطلّ منه وجه لامرأة حسناء ،ابتسمت لي سرى في جسدي تيار  ، كأنّ ابتسامتها ماسٌ كهربائي

 قالت بصوت محبّب إلي : تفضل. دخلت وجدت ثلاثة أشخاص جالسين في هدوء ، هناك امرأة بعيدة عن الجميع نظراتها شاردة

قالت الممرضة : اسمك وعنوانك ، أعطيت لها الاسم والعنوان ،ثم قالت : هذه أو مرة ، أي نعم  قالت : اجلس سوف يستقبلك الطبيب ويحدّد لك موعدا.

جلست وأنا  نظراتي  لم تنقطع عليها منذ دخولي ، كانت شابة ممتلئة الجسم ليس بالقصيرة تزيّن وجهها شامة تزيدها جمالا وشعر أسود يتموج على  كتفيها. دخلت عند الطبيب ، كان في متوسط العمر ، سألني عن أحوالي أجبته بصراحة ، أعطاني موعدا بعد يومين ، خرجت من عنده وأنا أتلهف على الكلام معها .

قالت : أعطاك موعدا ، قلت نعم بعد يومين ستجديني هنا ، ضحكت فازدادت جمالا ، خرجت من العيادة وهي تشيّعني  بنظرات حالمة.

لم أعد إلى البيت حتى لاأفكر في المرض ، رحت أتجول في المدينة لأول مرّة أحسّ بجمالها شوارعها أضحت واسعة  مبانيها بيضاء مثل الثلج ، أشجارها متناسقة ، مقاهيها رائعة ، أحسست بالجوع وأنا أرى الدجاج في الشواية ،دخلت المطعم طلبت نصف دجاجة وسلاطة أكلت بنهم وشهية ، خرجت من المطعم ولجت مقهى طلبت قهوة ، لم أدخن نسيته ، قضيت ذلك المساء  في مكتبي أعمل وكأني آلة ، خرجت وأنا أطفح بشرا ، ما ذا أصابني ؟ نظرة واحدة تركتني أفعل مالم أفعله مدة خدمتي ، لم أسألها إن كانت عازب ، نظراته إليّ تكاد تلتهمني لا شك أنها ليس في حياتها أحد ، كأنّ القدر يهيّئها لي ثلاثة أطباء لم ارتح لهم والرابع كان الارتياح ، وقد يكون الحبّ والهناء على يديه.

 عدت مساء إلى منزلي وأنا كاره له ، ماذا أجد فيه إلا الكآبة والملل والمناظر التي تؤلم النفس قبل البدن.

بتّ تلك الليلة لم أشعر بشيء ، وقمت مرتاحا إلى الحمام توضأت وصليت ودعوت الله أن تكون من نصيبي ، غدا أذهب إلى الطبيب النفسي لأبدأ أولى الجلسات.

قضيت النها ر كله في الشركة أعمل ، كان الشغل كثيرا مما جعلني لا أفطن للوقت حتى دخل عليّ البواب وهو يقول : كدت أن تبيت في الشركة لأني  أغلقت الباب ولكني لأمر ما تذكرت أني نسيت مفاتيح مكتب المدير في الباب ، جئت لآخذهما رأيت النور في مكتبك ، عرفت أنك لم تخرج.

نهضت صباحا أخذت حماما ساخنا وحلقت وجهي ولبست بذلتي ووضعت عطرا وخرجت إلى العيادة ، وصلت مبكرا وضعت أصبعي على الجرس ،فانفتح الباب وأطلت بوجهها البشوش وكأن القمر قدطل ،قالت : جئت مبكرا ، قلت لها : تأخرت كثيرا ، ضحكت مني وطلبت مني الجلوس ،جلست 

قالت : أراك اليوم قد تحسنت قبل الجلسة الأولى.

قلت : بفضلك تحسنت 

قالت : كيف ذلك؟

 قلت  : من نظرة واحدة بعثت فيّ أملا وحياة جديدة ، ولوكنت أعلم ذلك لجئت منذ شهور

قالت : الحمدلله على ذلك والفضل يعود لله ، وإنما أنا مجرد ممرضة.

قال : نعم ممرضة لكنك أحسن من الأطباء الذين زرتهم قبل هذا الطبيب

قالت: لكن مم تشكو؟

قلت : الوحدة القاتلة

قالت : ليس متزوجا

قلت : نعم لست ولكن سأتزوج قريبا

قالت : إذن خاطب

قال : لست خاطبا ، وأنت لم تتزوجي؟

قالت : المكتوب لم يأت

قال : سوف يأتيك مكتوبك وضحكت

قالت :إن شاء الله.

هنا رن جرس الباب ففتحته ودخل الطبيب سلم علينا ودخل مكتبه ، كنت أنا الأول  دردش معي سألني عن عملي وهل فيه مشاكل ؟ وعن أحوالي مع من تعيش؟

ثم قال : والأن بما تحس ؟ 

قلت : والله يادكتور إني الآن لا أحس بشيء منذ أن زرتك

قال : لي موعد ك بعد أسبوع ، قلت له : خليها بعد يومين ، قال : لا لا ينفع ذلك

خرجت من عنده وأنا في حالة كيف انتظر أسبوعا آخر. وحسبت نفسي وحدي التفت وجدتها قالت : أسبوع قريب وتأتي

قلت : أين عنوانك سأزوركم لأشكرك ،

قالت : أشكرني الآن

قلت : إذن سآتي لخطبتك

قالت : بهذه السرعة

قلت : إني أطلت كثيرا لو رأيتك من قبل لكان عندي ولد.

أخذت ورقة وكتبت فيها العنوان والهاتف ، وقالت اتصل بي حتى أحدد لك موعدا مع أبي.

أخذت الورقة وطرت إلى سيارتي اركبها .

بعد أسبوع دخلت إلى الشركة وأنا مبتسم وأوزّع بطاقة الدعوة على الزملاء لحضور خطوبتي. وبعد شهر يكون الزواج.

لخضر توامة / الجزائر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق