الجمعة، 11 ديسمبر 2020

رحيل خريفي بقلم // موسى غافل

 قصة قصيرة

رحيل خريفي

المقطع الثالث و الاخير

فتحت الباب.. وقبل أن توصده.. لاح الفيء و قد زحف في فناء الدار, ناءت الكنّة بثقل الطست .

قالت العمّة :

ــ ناوليني مكنسة أيتها النادرة.

قالت الكنّة :

ــ خذي راحتك ، و استبدلي ثيابك بهذه.

قالت العمّة :

ــ فدتك عمّتك أيتها النادرة.

عادت الكنّة بالمكنسة. كنست بخفّة، وعلى نحو هاديء و سريع. ثم دفعت بنار متوقدة. أوصدت الباب. ونثرت الحرمل و البخور، لكي يكون الملاذ عبقا و منعشا.رتّبت ما تبعثر من محتويات الغرفة.ساعدت عمّتها على خلع ملابسها و استبدالها بغيرها. اُعيد فتح الباب و النافذة.

كانت عينا المريض تتفرّس بالوجوه. زوجته الكبيرة و إبنه و الصغار.

قال الإبن مخاطبا أباه:

ــ أمرأة أبي تنتظر هناك ، حتى ينجز الطبخ.

قال الأب أنا جائع.

هرعت الكنة ، لكي تنبئ الزوجة الصغيرة

قالت الصغيرة و كأنها صعقت :

ــ وطلب أكلا؟!!

قالت الكنّة:

ــ يا لك من قاسية!.. أتعلمين إنك غائبة عنه؟

تذوّقت الكنة الحساء و صاحت :

ــ ملح.. قليلا من الملح.

رشّت الملح وخاطت بالحساء فصار جاهزا. أحضرت الضرّة الصغيرة.. إناءا و ملعقة.

قالت الكنّة:

ــ يحتاج لفترة حتى يبرد . لا تجعلي الناس يغتابونك يا أُخيّة . احمليه بنفسك.

أعان الولد أباه.لكن الأم : طلبت أن يسنده الى حضنها.و بدأت تنفخ بالملعقة.. كان المريض ينصرف بعينيه الى الصغيرة.والتي أقعت عند الباب، حاشرة ذراعيها تحت شالها.مُتّكئة على كفّيها، المنكفِئتين على ركبتيها .الواحدة فوق ألأُخرى.

قال الإبن:

ــ لا تجلسي هكذا يا زوجة أبي.. تعالي هنا.

تململت، وظلّت مقرفصة. بقيت عيناه ،مشبوحتين الى إقعائها.وهباء الشمس يربض أمامهما . استمرّت الكبيرة تطعمه، فأشار بيده معلنا كفايته.

قالت الضرة الكبيرة:

ــ هل تحلق و جهك؟

هزّ رأسه رافضا. أسجته على فراشه .بدا وجهه نظيفا و ممتقعا. ظلّت عيناه تبحثان.

قال الإبن:

ــ اقتربي منه يا زوجة أبي.

زحفت باتجاهه. جاعلة هباء الشمس يسقط على كتفها.

قال الإبن:

ــ إنه يبحث عنك.

اقتربت..سقطت يده الى جانبها . تحاشت أن تمحي المسافة مع اليد، التي بدت خابية الحركة.عزفت إرادتها أن تعود الى جانبه.

قالت الكنّة :

ــ إنه راغب.. أن يمسك بيدك. اقتربي أكثر.

طرأت على الكنّة تلك الذكريات الطفولية .فقد تزوجته الصغيرة، بعمر مبكر. قبلها كان ذا لحية مضمخة بالحناء. تذكرت الكنة أيضا: كم هي صاخبة و عنود ، كيف تستأثر بالدمى الجميلة؟

دائما .. تبحث عن العروس و العريس الأجمل . كم حطمت من عرائس لغيرها ؟ كأن الكنّة ، ترى ذلك بوضوح. إذ .. تلوح لها العرائس مستلقية بكاسة، تنزلق على أمواج النهير المتدفقة. و الصبايا و الصبية يزغردون .

ألأولاد على الضفة اليمنى . و الصبايا الى الشمال.وفي النهاية يقفز الأولاد بجانبهن . حاملين العرائس، داخلين بهن على البيوت التي هيّئوها على جرف النهير.

كم أبكتها .. ودافت دُماها بالتراب؟ وكم هي الآن متضائلة و بائسة؟ كأنها غلبت في نهاية المطاف؟

كان الهباء ينزلق من كتفيها . وينسكب شيئه في حجرها ، زاحفا بين المجتمعين.. بفيض من الحزن.

انتبهت الكنة الى حركة مريبة، صدرت عن العمّة . لاحت شفة المريض تقصر.ومنخراه .. يرتجفان. ووجهه مائل الى الشحوب.

أشارت الزوجة الكبيرة الى ابنها :

ــ ساعدني.. على أن نُقبّل رأسه ، في الجهة الصحيحة واجلس خلفه.

همت عيناها و أنّت بصوت خفيض، سرعان ما تعالى . وانتحب الباقون . دأبت يده الراجفة ، باحثة عن شيء. استمرّت الظلال.. زاحفة على الجدار المقابل .

أوحت ملامح الفيء.. أن الشمس الغاربة،ماضية في الأفول . والظلال.. يهبط بدثاره.. على رحبة المكان. والملامح.. توشك .. أن تندرس .

موسى غافل


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق