الأحد، 7 فبراير 2021

قصة : الغرفة رقم 13 بقلم // لخضر توامة

 قصة : الغرفة رقم 13

بعد كدّ وجدّ طول السنة ، توّجت جهودي بنيل شهادة الباكالوريا ، كنت فرحا بهذا النجاح ، سيكون جواز عبور للجامعة التي طالما حلمت بولوجها. ذات ليلة عدت من سمر مع أصدقاء ، كانوا يتحدثون عن الجامعة والدراسة فيها وعرجوا على معاركهم مع المطعم الجامعي والسكن في الحي الجامعي وما يدور في الغرف الجامعية، ليلتها بتّ أحلم أن أكون مثلهم ، وأحكي عن مغامراتي في الحي الجامعي.

ها أنا أحمل أوراقي وألج الجامعة لأسجّل نفسي في إحدى كلياتها كلية الحقوق وأنا أحلم بالروب الأسود الذي أرتدية وصوتي يلعلع في قاعة المحكمة مدافعا عن الحق والعدل ، وإذا بصوت يعيدني إلى الواقع : ماذا تريد؟

عدت إلى واقعي وأكملت جميع ما طلب مني ، حتى ملف السكن في الحي الجامعي قدّمته.

في عطلة الصيف ، كنت أسمع عن أخبار الجامعة وما فيها من عجائب وغرائب هذه يخلقها الطلبة بأنفسهم ويزيدون فيها وتتناقلها الألسن بشيء من الغرابة ، حتى السكن في الحي الجامعي لا يخلو من غرابة.

انتهت العطلة و استعدت للدخول ، وأول شيء حصلت على غرفة ، كان رقمها ( 13) ،هذا الرقم يذكّرني بمسلسل رعب أجنبي عنوانه : ( الجمعة 13) ، لكن طردت هذا الهاجس شتان بين الحقيقة والخيال.

أخذت المفتاح ورحت أبحث عن الغرفة ، وكلما ألتقي بطالب أسأله عن رقم 13 كان ينظر إليّ نظرة غريبة ويقول : أنت جديد، فأومي برأسي أي نعم ، يرد عليّ (الله معك) وكأنّي مقبل على معركة مع عدوّ.

أخيرا وجدتها فتحت الباب، كانت غرفة نظيفة لا ينقصها إلا الساكن ، مفتاح النور جديد النافذة سليمة حتى الجدران كأنهم صُبغوا أمس ، كان فيها أربعة أسرة اثنين اثنين فوق بعضهما ، كان مسؤول السكن أخبرني أنه معي طالبين اثنين.

رحت أبحث عنهما لأعطيهما مفتاحين للغرفة ، التقيت بهما يبحثان عني ، تعارفنا أيضا هما جدد ، قالا لي : نحن نبيت معك ليلة واحدة في الأسبوع فقط لأن توقيتنا يسمح لنا بالعودة إلى بيوتنا.

انطلقت الدراسة ، كنت لا أعرف أين أتّجه إلى المدرج أو قاعة الأعمال التطبيقية ، ولا كيفية تسجيل الدروس من المحاضر الذي يسرع في إلقائها ويخرج ، لكن مساعدة الزملاء تركتني أتعلّم كيف أسجل الدروس ، وكيف أتابع المحاضر ، وكيف أعمل في الاعمال التطبيقية.

عدت في المساء ـ بعد تناول وجبة العشاءـ إلى الغرفة وحيدا ، فرشت سريري وتمددت عليه ، وأنا أشعر بالوحدة ، وانتابني شعور بالخوف ، لكن قرأت الفاتحة والمعوذتين ونمت بدون غطاء كان الجو حارا ، أفقت ليلا على همسات استرقت السمع لا شيء ازدادت ضربات قلبي ، عدت أتلو الفاتحة والمعوذتين ، طار النوم من عيني حتى سمعت آذان الفجر ، قمت توضأت ، ثم صليت وعدت إلى الفراش ونمت حتى دقّ أحد الزملاء الباب.

استمر الوضع على حاله ، ليلة واحدة أنام ملء جفني عندما يكونا زميلي معي أما باقي الليالي ، نومي يتقطع وأحلام مزعجة تزورني وأنا أستعين بالتلاوة على التغلب على الخوف الذي ينتابني متى أطفأت النور ، وبعض الليالي أترك النور على حاله.

ومرّت شهور الخريف وجاءت شهور الشتاء بالبرد والرياح والأمطار، كان الليل طويلا أحسّبه أنه أطول ليل ، وكان إحساسي بأنّ أحدا يشاركني في الحجرة خاصة أنّ السرير الرابع فارغ ، وأحيانا أجد فوقه فراش من الذي بات فيه؟ لعل أحد زميلي انتقل إليه ، لكن لم أشعر بحركة السرير أسفل سريري ، هذه المسألة أقلقتني وجعلت نومي يضطرب.

وذات ليلة باردة اختلط فيها الرياح مع الأمطار سمعت دقا خفيفا على الباب ، قمت وفتحت الباب وإذا  بشاب نحيل أصفر الوجه مثل ليمونة ممصوصة ، قلت : ماذا تريد؟

قال : أليس هذه الغرفة رقم 13

قلت : بلى هي رقم 13

قال : أنا صاحب السرير الرابع ،كنت مريضا في أوّل السنة وها أنا جئت ، أبحث عن الغرفة.

قلت : أهلا وسهلا أين غطاؤك وفراشك؟

قال : لم آت بهما إنهما عند الحاجب.

قلت : عندك حظ لم يبت زمليا الليلة ، نم مكان أحدهما.

بات معي في تلك الليلة ونمت نوما عميقا وفي الصباح لم أجده ، كان قد خرج 

لكن كان يغيب كثيرا عن المبيت حتى أنه لم يلتق بزميلي اللذين يقاسمان الغرفة وكان دائما يأتي متأخرا ، ولما أسأله عن فراشه يقول لي : عند الحاجب وننسى عند صعودي أن آتي به.

وذات يوم وأنا أمرّ على الحاجب ، تذكرت فراش زميلي ، دخلت غرفة الحاجب أسأله عن الفراش.

نفى الحاجب نفيا مطلقا وجود فراش طالب عنده ، ازدادت مخاوفي وقررت أن أذهب إلى مصلحة إيواء الطلبة ، دخلت عنده وقلت له : أنا صاحب غرفة رقم 13 قال : ماذا تريد؟

قلت له :كم معي من طالب؟

قال : طالبان فقط

قلت : والرابع جاء متأخرا بعد مضي ثلاثة أشهر.

قال : لا ليس هناك طالب رابع ، حقيقة الأسرّة أربعة ، لكن الغرفة فيها ثلاثة

قلت : أتى وبات عدة ليالي بدون أن يأتي بفراش أوغطاء ولما سألته عن ذلك قال لي : تركتهما عند البواب

 ولما عدت إلى البواب نفى ذلك.

قال : ألم تعرف اسمه؟

قلت : بلى قال لي اسمه (.....).

قال : انتظر سوف أرى في السجلات لأن الاسم ليس غريبا عني. فتح سجلا قديما وراح يقلب صفحاته ثم قال لي : كيف اسمه؟ أعدت الاسم على مسمعه.

قال : بشيء من الخوف أنت متأكد من الاسم.

قلت : له نعم هو من قال لي : اسمه بالكامل.

قال : انتظر ابحث عن ملفّه ، أخذ عدة ملفّات وراح يقلبها ثم أمرني بالاقتراب وقال لي : هل هذه صورته؟

نظرت في الصورة بتمعن وقلت : يشبهه بالضبط أو هو

قال : أنت متأكد من صاحب الصورة 

قلت : نعم

قال : صاحب الصورة وجد مقتول في تلك الغرفة في  العام الماضي واعيد طلاء الغرفة.

لم أجد ما أقول بقيت صامتا وأنا أعيد صوره أمام ناظري ، هل كنت أبيت مع شبح لميّت وسقطت لا أعي شيئا.

أفقت وجدت نفسي في مصحة الجامعة ، ومن المصحة إلى منزلي ، لم أعد إلى تلك الغرفة أبدا كنت أروح وأجئ وتحمّلت المتاعب على أن أبيت في غرفة مع ميّت.

لخضر توامة // الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق