مشاوير ...8...
_____________
أبي يقول .الخضراء لوحة جميلة لا يجب أن ننظر إليها كثيرا .هو عاش بعيدا عنها أما أنا ولدت فيها .حملتني روابيها إلى عوالم كثيرة .. مسارح لهوي في كل بقعة .أبني بيتا من الطيب وأدعو ضيوفي على العشاء فتقرصني بطني وأشعر بالجوع فأشتاق إلى طبيخ أمي .ألهث وراء السراب وأحسبه ماء .وتشدني المروج الخضراء وتباعد أشجار الزيتون وهي تتمادى إلى أن يبتلعها خواء آخر كنت آمل أن أراه ..أخرج دائما مع شروق الشمس ..كانت المسارب كلها دروبي .أحب الله أكثر كلما فكرة فيه .وأخشى على نفسي من الظلال مثلما قال معلم التربية الإسلامية ..الذي كان يعدد لنا ذنوبا لم نرتكبها وقال أيضا أن الحب حرام ..لذا كنت أكره فاطمة جارتي في البلدة النائمة على ضفاف نهر لا ماء فيه ..هذا كله حدث قبل أن تصل الكهرباء إلى بيوتنا .بمجرد أن حل الظلام الذي كنت أنتظره بفارغ الصبر .وكنت أنظر في قرص الشمس وأقول لها ..أغربي ..أغربي ..كان والدي لا يسمح لنا أن نشعل مصباح النور قبل حلول الظلام .لذا كنت أنتظره بفارغ الصبر ليصبح في مقدوري أن أضع إصبعي على المفتاح وينبلج النور .كنت أجلس تحته تماما ولا أرفع بصري حتى أشعر بالنعاس .الكهرباء كان مرحلة خطيرة حدثت في حياتنا .لأن ما حدث بعده كان أخطر بكثير .بعد عام فقط إشترى الحاج خليفه صندوق صغير إسمه التلفاز .كان بالأبيض والأسود .لا أذكر تماما كيف حدث ذلك .ولكن ما أذكره أنني رأيت سكان الناحية كلها هرعت إلى بيت الحاج خليفة .كان رجل متواضعا جدا فتل شاريه أمامي حين وصلت إليه وأنا أسأل ماذا هناك ..قال الرجل الذي تجاوز عقده السادس من العمر .أدخل إلى امك وسترى بنفسك ..كانت باحة البيت مكتظة بالنساء والأطفال .رأيت أحدهم يحرك هوائية مثبتة على عمود معدني .ومن خلال نافذة صغيرة أخرجت سيدة جميلة رأسها وهي تخبره بأن الصورة واضحة الآن ..ولكن كيف كنت قد رأيت نساء يتحركن داخل الصندوق .والبث بلا ألوان .لكن عيونهن جميلة ويتكلمن عن الحب ولهجتهن تشبه لهجة الأستاذ حماده الآسيوطي معلم الرياضة ..وبعد الأخبار التي مات فيها الكثيرون والمذيع يبتسم بعد كل حين .رأيت أحد الفلاحين يعطي دروسا عن شجرة الزيتون .فرحت ..قلت ربما يأتي البث على دروبي التي أسلكها وكم خشيت على بيتي الجديد وراء التل لأنه بلا أبواب ولا نوافذ .وفكرة كيف يصفني النظارة في المدائن التي أرسلت لنا بثها المقيت لندرك الفارق بيننا وبينهم ..نحن ربما لم نتعلم الحب الحرام .لكن المرأة مقدسة عندنا ولا يراها الضالون. .ووجوهنا البريئة لا نبيعها بالمال ..لذا فقد التلفاز أهميته وجماله ونحن ننظر إليه كل يوم ..
________________
على غالب الترهوني
بقلمي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق