وفاء .
نصٌ قصصي .
أنور ساطع أصفري .
****************************
تركتُ سفينةَ أفكاري تُصارعُ أمواجَ الذكريات ، تتقاذفها شواطىءٌ ومحطات ، رست عليها قليلاً .
نظرتُ إلى السماء ، تهتُ في أبجديةِ النظرة ، أبجديةُ الكلمة ، راقبتُ واقعاً مخيفاً ، فسحتُ المجال للعائدين في الإتجاهِ المعاكس ، تمتمتُ :
" يكفيهم مرارةً أنهم يعودون عودةً يائسة " .
عندما كنتُ أتّجه ليلاً إلى منزلي الكائن على طرفِ البلدةِ الهادئة ، كان عليَّ أن أمرَّ في منطقةٍ مهجورةٍ يُخيّمُ عليها الصفير والنباح ، فتنتابني رهبةٌ تمضغ أحلامي وخطواتي ، لذا إقتنعتُ أن أُوطّدَ علاقةً طيبة مع كلبٍ يسكنُ تلك المنطقة ، فبدأتُ أرمي إليهِ بقطعٍ صغيرةٍ من العظم واللحم اتّقاءً لشرّه ، اتخذتها عادةً لي ، وأصبحت مُحببة ، فولد موعد حب يومي مرتقب ومنتظم بيننا .
ذات ليلةٍ كنتُ متعباً ، منهك القوى ، عائداً إلى منزلي في ساعةٍ متأخرةٍ كعادتي ، شعرتُ بانهيارٍ تملّكني ، لم أستطع أن اُقاوم ، فأردتُ رغماً عني أن آخذَ قسطاً من الراحةِ ، هويتُ مسترخياً ، ولم أشعر بأنني ذهبتُ في نومٍ عميق ، لم أستيقظ بعده إلاّ ببدءِ حلولِ الفجر ، نظرتُ عالياً ، التفتُّ حولي ، فوجئتُ بوجودِ الكلب إلى جانبي ، إنتفضّتُ واقفاً ، وكأن الرعب قد إنتابني ، سكنتني للحظات حالةُ صمتٍ مخيفة ، تأمّلتُ طويلاً ، إنحدرت دمعةٌ من عينيّ اليسرى ، هوت ، فأحدثت فجوةً صغيرةً في التراب ، تذكّرتُ جاري الذي اشترط عليَّ أن أتناول ملعقةً من الملح ، لكني آثرتُ أن آخذَ ذرّات قليلةٍ بطرفِ إصبعي ولحستها ، ثُمّ قلتُ له بثقةٍ واطمئنان وهدوء :
أنتَ تريدُ ياصاحبي أن يكونَ الملحُ رباطاً فيما بيننا ، فثق أن من لا تؤثّرُ فيه ذراتٌ قليلةٌ منه ، لن تؤثّر فيه أطنان ، واختلفنا .
تمتمتُ بكلماتٍ غير مفهومةٍ بدوت ُ وكأنني أُصلي " كم هو مؤلمٌ أن تُسرقَ من الأوتار أنغامها ، وأن تستحيلَ اللآلىء محاراً " إقتربتُ من الكلب ، لم أرى عيناه بهذا الاتساع المخيف ، جذبتهُ بشدّة ، عانقتهُ بعنفٍ ، ووعدتهُ أن أُجلبَ له قطعاً شهيةً من اللحم .
همستُ في أُذنه " حبكَ جنونٌ مُقبلٌ من حضارةِ الخوف " ، مسحتُ على رأسهِ مداعباً مودعاً .
هززتُ رأسي متألماً ، إستحالَ الندى حنظلاً ، إستحالت الشفاه جراحاً ، قهقتُ ملء أوجاعي ، هزأتُ من واقعي ، وفي نشوةِ الوهم إرتعشتُ طرباً ، تهتُ في خيالٍ شاسعٍ ، تكسّرت أوهامي ، طأطأتُ رأسي ، إرتميتُ على نفسي ، واجهتني نداءاتٌ خرساء استنفذت كل شيء ، نسيتُ كلّ شيءٍ ، إلاّ موعدي مع الكلب ، فأحضرتُ له قطعاً شهيّة من اللحم والعظم ، وفي طريق عودتي إقتربتُ منه ، قدّمتها له ، تمتمتُ :
" لم يهزمني أحدٌ قط ، صادقتكَ أنت ، أحببتكَ أنت ، وهزمتني أنت " ومن ثُمّ إنصرفت .
تبعه الكلبُ بهدوءٍ في ليلةٍ مظلمة ، دغدغته نسمات العشق ، فلم تته خطواته .
قبل أن أدخل إلى المنزل ، نظرتُ ورائي ، وجدتُ الكلب ينظرُ إليّ بودٍ واطمئنان ، ركضتُ إليه ، جعلتُ أصابعي بين خصلات شعرِ رأسه ، همستُ في أذنه :
بينَ خصلات شعرك نمت أمواجُ أحزاني ، لكنها ترقصُ حينَ ينبضُ قلبكَ بالدفء.
هيّأتُ له مأوى في حديقةِ المنزل ، وفي كل صباح كنتُ أمرّ عليه أداعبه ، أقولُ له :
لا تخف ، سيبقى حبّكَ محبوساً بين جوانحي ، ولن أشكَّ في وفائكَ أبدا .
مرّت الأيام ، تسارعت ، فاجأتني في ذلك اليوم سيارة الأمن ، كبّلوني ، وساقوني إلى مقرهم ، وعندما إنطلقت سيارتهم كان الكلب مواكباً لها ، ينبحُ ويبكي بحرقةٍ وفاءً وحباً ، وكأنه يدري الذي حصل .
رفض بعدها وبعناد ، وكما أعلموني ، تناول أي طعام حزناً على فقداني ، كان ينبح ُ ، وظلّ ينبحُ طويلاً ، افتقدوه ، وجدوه ينتحب ، يحتضر قرب المنزل ، وفي عينه دمعة ، وكأنه يقول :
أحببتكَ ببساطة كما أتنفّس ، أحببتكَ بعمقٍ كما في الأحلام ، كنتُ أعرفُ أنكَ ستغيب يوماً ما ، لذا هرولتُ إليك لا لشيء ، وإنما لأتأكّد من وجودي بك ، وثق لن تتآلف حطام القلب ثانيةً لتبني سكناً لحبيبٍ جديد من بقايا قلبٍ مستعمل .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق