(جمالیة المعنی وفق المنهج التفسیري والمنهج التٲويلي )
بقلم : د. نجم الوندي
علی الناقد الادبي ان يكون ملما بالفلسفة كي یستطیع كشف المفاهیم التي تقف خلف كل منهج نقدي ومایطرحه كبار النقاد حین یستخدمون منهج دون اخری . فكل منهج یحاول مقاربة النص الادبي وفق مفاهیم تتلقاها من منبع فلسفي وفكري محدد .
لقد كانت الفلسفة المیتافیزیقیة المصدر الاساس لكل طروحات افلاطون حین اكد ان الادب لایستطیع ان یعبر عن الحقیقة ، لان الحقیقة في المنظور المثالي لایتجسد في الظواهر المتغیرة . الحقیقة تكمن في الثوابت المطلقة التي لاتقبل التجزئة والتغیر . لذا قال افلاطون ان الحقیقة لا توجد الا في عالم الموناد ولايمكن لاي انسان ان یحیط بها لكون امكانیات العقل البشري محدودة والمحدود لایقدرالاحاطة بالحقیقة لانها مطلقة . ومن هذا المنظور طرح اتباع الفلسفة المیتافیزیقیة موضوعة الادب وقالوا ان الشعر الهام یمنحه آلهة الفنون للشاعر ولیس هناك قواعد لتعلم كتابة الشعر كما اشار افلاطون لذلك في الفصل العاشر من كتاب ( الجمهورية ) .
لقد شغل الادب حیزا مهما في فكر( عمانؤیل كانت ) وكان للجمال عنده مفهوم مجرد ، ممتزج في النصوص الادبیة ، دون ان یكون له وظیفة اخری غیر المتعة ولا یمكن له ان یعبر عن معان اخلاقیة واجتماعیة .
مع تطور الفكر الفلسفي وخاصة مع الفلسفة العقلیة التجریبیة لدی دیكارت ، خطی فكرة الجمال خطوة اخری . حیث تبلور منظور آخر لمعالجتها عن طریق التجریب . اي عدم خضوع النص الادبي لافكار مسبقة والاكتفاء بالبحث عنه داخل النص وحده ، دون ربطه باي مصدر خارجي .
لقد تٲثر رواد النقد البنیوي بهذا المنظور ووظفوه في اعمالهم النقدیة . لقد كان منهجهم في ذلك ، منهج تفسیري واقع تحت تٲثیر الفلسفة التجریبیة کما اشار الی ذلك ( ابراهیم جنداري) في كتابه القیم ( صوت وصدی ، دراسات نقدیة في الروایة العربیة ، الطبعة الاولی ، دار الامل الجدید ، دمشق، ۲۰۱٦ ، ص ۱٦) وقال : " تعد الطروحات الفلسفیة السابقة المخاض الحقیقي لولادة المناهج الحدیثة ولا سیما البنیویة ، اذ ٲنها الحامل لهذه الفلسفة ، ومن هنا یتفق مؤرخو الدراسات اللغوية والادبیة علی الربط العضوي بین البنیویة بشقیها اللغوي والادبي والمذهب التجریبي بل یذهب البعض الی التوحید بین الاثنین " وكذلك كان اراء اللغوي السویسري ( دي سوسیر) مؤلف كتاب ( علم اللغة العام ) مصدر هام من مصادر تفكیرهم .
اكدت البنیویة ان النص یعبر عن ذاته دون الحاجة الی مصادر خارجیة یستعین بها . لذا قالوا ان النص مغلق بوجه العالم الخارجي ومنفتح علی نفسه .
وفق اراء البنیویة التي تعتمد التفسیر ، یكمن جمال النص في شبكة علاقاته الداخلیة والتي تنتج جماله ایضا . ولایجوز الربط بین النص والعالم الخارجي الذي تحیط بالناص لان النص لايمثل الواقع .
ولاجل ذلك اهتموا بالعناصر المكونة للنص من داخله وكذلك بجمال المعنی الذي یحتویه النص دون اللجوء الی مصادر اخری لتحلیل مدلولاته .
لقد قام رواد الروایة الحدیثة وبتٲتیر من تلك المفاهیم باتباع نفس المنهج وقالوا : ان الروایة لاتمثل الا نفسها ولیست لها ان تعید تجارب سابقة، ولا یجوز لكتاب الروایة محاكاة الواقع . وان جمال النص الروائي یكمن في كیفیة بنائه الفني لا في طرحها لمواضیع تتعلق بالواقع الاجتماعي .
اما مایتعلق بالمقاربة التٲویلیة ، في طرحها لجمال المعنی ، فانها تنادي للتفاعل بین النص وقارئه . من منظور هذا المنهج النقدي یتخلل كل نص فجوات یتركها الروائي ولا یقوم بمعالجتها ، وعلی القاريء ایجاد هذه الفجوات واملائها وفق ما یقتضیه النص بحیث یكون اغناءا له . ومن هنا نستنتج بان النص ینقصها معان وبحاجة لمن یسد هذا النقص ، ومن جهة اخری هناك معان داخل النص بحاجة للتحلیل ورموز بحاجة الی فك مغالیقها ، لذا وجب الاستعانة بمنهج التٲویل لابانة الغموض علیها . وكان من نتائج هذا التفكیر ظهور تعددیة التٲویل التي نادی بها النظریة التفكیكیة وعلی رٲسها جاك دریدا بالاعتماد علی جدیلیة الخفاء والتجلي .
ملخص القول ان جمالیة المعنی في المنهج التفسیري تكمن في النص ذاته ، اما جمالیة المعنی في المقاربة التٲویلیة بحاجة لمصادر خارجیة وقراء یمتلكون ثقافة واسعة تمكنهم من فك رموز النص واضافة معان له لم یكشفها الكاتب في مساحات نصه وبقیت خافیة حتی یاتي من یجدها ویحلل مضامینها .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق