شجونٌ صغيرة
مهلاً أيها الحنين
فقد جرفت الروح معك
مهلاً أيها الشوق
فقد مزقت أوتار ربابتي
مهلاً ياحروف القصيدة
فقد ألَّفت في الذاكرة رواية عشق
لاتنتهي
فكلّ ما يحيط بي
من شجرٍ ...من عصافير ... من دفاتر
من ألعاب الصغار ...من شتائم الغاضبين على الأسعار ..
من وجوه المنتظرين رغيف الخبز
الكاظمين الغيظ
على أبواب الأفران
من الحاقدين على موزعي اسطوانات الغاز
فكلّ ماحولي يفجر ينابيع الشوق إليك
أعرف أسباب هروبك
أبرر كلَّ تأويلاتك
أدفن في عتبات الألم آهاتك
أذكر كلّ محاضراتك عن الوطن
أذكر حماستك في إلقاء الشعارات
أبرر هفواتك
*********
أتدري ياصديقي
ربما يعصرني الندم عصراً
لأني لم ألتحق بك
ليس لأني أحب الوطن أكثر منك
ربما لأني كنت جباناً
أخشى المغامرة وحرس الحدود
ولكني مازلتُ
ألعن صاحب الفرن الذي يغش بالوزن
وموزع الغاز المحتكر
وبياعي الجملة
وموظفي التموين الذين لايفيقون من نومهم
إلا بعد التاسعة صباحا
كي لايرون عشرات البسطاء يعودون
إلى بيوتهم خائبين
من غير رغيف خبز واحد ....
نعم لايشعر أحد بالمواطن المسكين
أمثالي الذي لايملك ثمن الفطور
**************
نعم ياصديقي
تجرفني لهفة اللقاء إليك
تتسرب الأشوق إلى روحي
تتساقط الآهات
من صهوات الريح
تهتز أوراق حنيني إليك
فتراني أقبل أثار بصماتك
على زجاجة عطرك القديم
أغرق في صمتي
أراك تسير عبر دهاليز الشوق
أتذكر تفاصيل أيامك
أتذكر كيف حملت الهراوة
لتلقن ذلك المتسلق أكتاف الفقراء
ذلك الذي يبيع الوطنيات على الرصيف
****************
مازالت روحي
هائمة في فراغات الألم
تحفر في قصائد الشوق
حروفها الهزيلة
تنحت في قلب الوجع
رواية شعب مازال يتألم
توسلت القمر في ليلة من الليالي
أن يرسل ضوءه دون فوائد وضرائب
قال لي :
لست أنا من يتاجر بالشموع
هم من يحتكرون القناديل والنفط
والسدود
************
عذراً ياصديقي
أحياناً أتفرد بالصمت
أحاول سلبه حتى النهاية
تمر بي قوراب الضجيج
تبحر في أعماقي
تهزُّ كياني على صفائح ساخنة
أصرخ من أعماقي
كماصرخت ذات يوم
فوجدتَ نفسك مرمياً
في سجن محاط بحراس وجوههم
تشبه وجوه العفاريت
كلماأتذكرك
أعود لصمتي ...ابتلع وجعي
************
قلت لي ذات يومٍ :
عقيم أملك ياصديقي.
انتظارك يشبه غدير جفَّ ماؤه
في فصل الشتاء
فلا جدوى من انتظار صياد السمك
وهو بكامل عدته
هكذا هو وطنك ...وطنكم ...وطننا
وقلت لي :
هل مازالت نوافذ بيتنا مكسورة
من جراء ذلك الانفجار
ومرآتي مغبشة بأنفاس الوطن
نعم ياصديقي
عرفتُ أن الوطن ساكن فيك
بدلاً من أن تسكن فيه
حين ذلك ذرفتُ دمعتين
واحدة لك
والأخرى لوطن بات بلا حياة
*************
اليوم ياصديقي
قررت أن ألجم فمي بعدما
طرقت أمك العجوز الباب
تسأل عنك كعادتها منذ سنوات غيابك
هل سيعود
قلت لها :وهل عاد الوطن
بكت ...بكت
غادرتني دون أن تتفوه بكلمة
....عبدالجابر حبيب ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق