الثلاثاء، 31 أغسطس 2021

★ اليقين ★ بقلم // فتحي الخريشا

 ★ اليقين ★

 رجل في حدودِ الأربعِين من عمرِهِ يخرجُ من وسطِ الجمهُورِ المحتشد يسأل آدم قائلا:

 ما قولك أيّهَا الأخ المعلمُ النّورانِيُّ آدمُ عن اليَقين.

 أجاب آدم في ثقةٍ وثِيقةٍ وتمكن متين، لكأنما من قبل قد فتلّ هذا السؤال فتلا شديدًا محكمًا قائلا :

 سِيروا مَعِ الجدولِ ذي الماءِ العذبِ الّذي تغذيه عيُونُ الماءِ المتفجرةِ في المنحدراتِ والتي تنحدر إليهِ مياهُ الثلوجِ من أعالِي الجبَالِ، سِيروا معهُ بَيْن البَساتِين ذات الخضرةِ والأشجار المثمرةِ الّتي تأمُّها الطُّيور بِأناشيدِ الحريَّةِ، ورَتلُوا تجلياتكُم على قيثارةِ المحبَّةِ، فإنَّ حيَاتكُمْ على هذا الوجُودُ وإنْ لِرحِيلٍ هِي حقُّ اليَقِين، ثمَّ ٱنْظروا ضِيَاءَ الشَّمْسِ المشرِقةِ بِالدفءِ وظِلالِ أشعتها مِن بين السحبِ المتناثرةِ فوق رؤُوسِكُمْ ومِن بين الأشجارِ الَّتي في ظلالِهَا تتفيئُون، وٱستمْتِعُوا بِنهارِ يَوْمِكَ فإنَّ أبْصاركُمْ إذ ترىٰ الضِّيَاءَ المسترسل عليكم لهُو ثباتُ يَقِينٍ مَا عليهِ مراءٌ ومَا عليهِ مِنْ شَكٍّ، ثُمَّ ٱسمعوا بعمقٍ حين تصيروا على شاطئِ البَحرِ هدير أمواجهِ المتلاحقةِ على أَوتارِ أغانِيهِ بَين هدوءٍ وصخبٍ بِأذانٍ واعيةٍ لِسِر جمالِ الطبيعةِ ومَا تخفِي من كنوزِ المعرِفةِ، وكذا ٱنْصِتُوا إلى شدوِ البَلابلِ عَلَى الأغصَانِ حين تصدحُ بتجلّياتِهَا غير عابِئةٍ بِمَا كان وبِمَا سيكُون إذ هِي في مسرَّةِ الحيَاةِ ولِلحياة في حبُور، وٱسمعوا بعمقٍ وٱحترامٍ إلى مَا يجري على ألسنتِكُمْ مِنْ نطقٍ جميلٍ يَخرجُ مِن مصاهِرِ أفئدتِكُمْ ومِنْ رشدِ عاقلتكم دون غبارٍ غليظ يُلقىٰ على رأي سديدٍ أو سخفة على وجدٍ مِن قلبٍ بِهِ بِاللّهبةِ يَفِيضُ، فإنَّ مَا تسمع الأذنُ مِن أصواتٍ كحفِيفِ الشّجرِ وخرِيرِ النهر ورعدِ السحبِ لهُو اليقينُ، ثُمَّ إذا مَا لمستمْ نعومة الحشائشِ المستلقية عَلَى الأرضِ فانتشُوا لهَا شَاكِرِين، وكذا ٱحرصوا من خشونةِ وخزِ الشَّوكِ الكثّ إذ مَا لامستم لطافة ونعومة أكمَام الوردِ تماما كمَا يلامس الحبيبُ جسد حبيبتِهِ المعشُوقة بِالمحبَّةِ والٱحتِرامِ، لَا بِالتهتكِ والقبحِ حتىٰ يصير وإيَّاهَا في لَطِيفةِ الجَمالِ، ألآ إنَّ مَا لامستم ليس تصورا مِن خيالٍ فإنّ النار التي تمتد اليد إليهَا لسعا تلسعهَا بالحررةِ كمَا الثلجُ بالبرودةِ تصيرُ على الأجسادِ، وَما ذلك إلَّا حقيقة واضِحَة لا تقبلُ الجدل إذ أنَّهَا عِلْم حقِّ ثابتٍ فهُو اليقِين، ثمَّ كُلُّ مَا تقعُ عليهِ حواسكُم في عراءِ الضِّياءِ لَهُو اليَقِينُ.

 اليَقِينُ على حقَّ مَا تراهُ يا أخي الإِنسان على حقِّ الرُّؤْيَةِ، ومَا الرُّؤْيَةُ ببَصرِ الحواس وحسب وإنَّمَا كذا بِبَصرِ العِلْمِ الأكِيدِ، وإنّمَا معارفُ الفؤادِ للظنِّ ومَا يرقىٰ مِنْهَا ليقين إلّا على أجنُحِ خالِصِ العِلمِ، ومَنْ يجادلُ في هذا إلّا المهوِمُ المكلوم. 

 ألآ مَا يُماري في حقِّ العِلْمِ الأكيدِ إلَّا أَعمىٰ العقلِ أو ذو طشاشٍ وأرعنٌ ذو حمقٍ لا يُعتدُّ بِمَا يقولُ ولو كان أتباعهُ علَى خرقةِ التولّي يَملؤُون أرضًا وأرضِين.

لقد جعلوا الذين ٱفتروا على الحقِيقةِ مِنْ كُلِّ شكٍّ لغايَاتِهم يَقينا، أولئك مَا ٱحسنُوا صنعا إذ جعلوا مقصد معرِفتهُم النّبيل بِمَا نافقوا لواذا عن الحقَّ وبِمَا متحوا من الباطلِ الرَّذيلة، دناءةُ أنفُسٍ إذ تجنحُ عنِ الحقِّ وتلوثهُ بِأردِيَةِ الميون، كذا إذ يجعلون مِن عمقِ الحدسِ خبَرَ يقينٍ، ومَا كذبُوا إذ كذبوا إلّا على أنفسُهِمِ وما أرسوا سفنهُم إلَّا على غير مُسْتقَّرٍ، وكانوا كُلٌّ في طريقٍ وطريقةٍ طرحىٰ الأوهامِ والأباطِيلِ.

صمت قليلا آدم ثم أردف قائلا :

 ٱنظر يَا أخي الإنسان كيفما شئت أنْ تنظر إنْ بالعقلِ أو الفؤادِ، ولكن إيَّاك خلط هُدىٰ بِضلالٍ وإيَّاكَ والزَّيغان، إيَّاك أنْ تجعل مِنْ الظّنِّ صِدقا على اليقِينِ يُقِيم، لأنَّكَ إنْ تفعلَ نفسك تضلّ وتكن مِنَ الضَّآلِين، فكمَا تستدلُ على أمرٍ لِغائِبٍ إذ تنظرهُ كذلك لِنقيضِهِ نظرٌ وٱسْتِدلالٌ كمَا صراع النقِيضِين على مسألةِ وجود الله، فٱرْعَوِي مِنْ حيرةٍ وجهلٍ عن قطعِ الشَّك نحو اليَقِين، فإنّك إذ تفعل تكن ضعيفا أخْرقا وذا هوىٰ، وَمَا هروبٌ من  أمرٍ إذ تتردد فيهِ عن الثباتٍ لِصدقِهِ إلّا عماءُ مُقامرةٍ على ميولِ ما تختار، فلا يصلح للحقِّ إلّا الجَلِيِّة إذ تصير الحقيقة قدَّامك وبَين يَديك، ولا يصلح لِلحقِّ إلاّ الصِّدقُ، وجَوهَرُ الصِّدْقِ الأمانة، والأمانةُ خالصةٌ لِوجهِ الحقِيقةِ لا خيانة مِنهَا وفِيهَا وثابتة علَى اليَقِينِ.

 لكَ أنْ تختارَ ما تريد بِحقِّ الظَّنِّ فٱصْدقْ نفسك والآخرين، وقل هَذا ٱعتِيَامِي في حقِّ الظّنِّ وٱترك اليَقِين لِحقّهِ دون اِعتِداءٍ عليهِ ودون تجديفٍ وأبَاطِيل، أمْ طفق أكثر النّاس لِمَا توارثوهُ مِن مثل الأديَان والمذاهب لِكلِّ تبرير زيفٍ وٱغترافِ أكاذيبٍ وجنونِ تأويلٍ للتّموِيهِ على النَّاس، كمدعِي كتابًا من ربٍّ غائِبٍ إنَّ الذي بين يديهِ المُشكوك بهِ من عقلٍ ومنطقٍ هُوَ عينُ اليقين، فلا مقدسٌ لِعيْنِ الرِّضَىٰ والمحبَّةِ إلّا الإنسَانُ الكاملُ في جَوهرِ الضَّمِير ونقاءِ الفِطْرَة إذ المجد لِلإِنسَان فِي الأرضِ وفِي الأعالي، فٱطرحوا عنكُمْ أثقالَ الماضِي الذي كان يمور في الجهلِ وٱطرحوا قيود العبِيدِ، آنذاك مَا مِن وسائلِ كذبٍ لغاياتٍ، وآنذاك لنْ يعوزكُمْ تسميت كُلَّ شيءٍ وأمرٍ بِحقِّ اسمِهِ، لولا أنتُمْ أحرارٌ مِنْ ربِقةِ الخرافةِ والأساطِير تتحرَّرُون.

 إنّ النحلةَ لا تخطئ طرِيقها إلى الزّهرةِ جاعلة إبرتها على جلمودِ صخرٍ، كذا لا يصنع رغِيف الخبرِ للتّنورِ من جبلةِ ترابٍ إنّمَا من مسحوقِ القمحِ أو الحُبُوب، وكذا لا يطلب من النجار أن يصنع لك حلية من أتون نارٍ أو تاج من عسجدٍ فمِن الحدادِ تطلب أنِيتكَ المَعدنِيَّة، ولَا تطلب من البَناءِ كبناءِِ تأليف مقطوعة موسيقة إنَّمَا أرساء بيت لك، الحرِيُّ إيهٍ إخوتي توجيهُ البوصلةِ إلى الاِتجَاهِ الصحِيحِ ليتم كلّ أمرٍ في ميزانِهِ ولا ينكفأ لِخسرانٍ، فما مِن ميقونٍ بِهِ مِنْ مورةِ الظَّنَّ يطغىٰ عليهِ الباطلُ ويختلط بِهِ الظَّلامُ، لأنَّ الحرِيَّ الماء الذي تشربهِ عذبٌ صَافِي لا شَوائِب فيهِ أو نتانة كاللَّبنِ غير مَمْزُوجٍ بِغشٍ وإلّا هُوَ المُستقبحُ الممجُوج، ومَا مِنْ متأكَّدٍ مِنْهُ إلَّا وفي قدْرَتِ التّحْقِيقِ لِلاِسْتِوَاءِ في الحقيقةِ الكامِلةِ، وإلاّ مَا يضيرك لو قلت إنّ هذا الأمرُ على دربِ الاِفتِرَاضِ وحسب ولَهُ دلائل ظنيَّة حسنة ولكن لا ترقىٰ إلى الثبُوتِ إلَّا أن تكون وللأسف مِن الضَّالِين الذين قد تنكبوا عن صراطِ سويَّةِ المَنطقِ المُستقيم.

 ألآ إنَّ القبيح ضدّ الحسن والشَّكَ في مقابل اليقين وإنْ كان على دربِهِ فلا نفاقٌ وكذب، الأمرُ لِعاقِلٍ العدل يُبْصِرُ بِالإخلاصِ.

 وهُنا وضع آدمُ كفَّ يَدِهِ اليمنىٰ عَلى صدرِهِ نحو القلبِ ثمَّ أسندهَا فوْق رأسِهِ ثمَّ أشارَ بِهَا نحو الجمهُورِ إذْ أنشد قائِلا : 

 إنَّ المُصَابِينَ بِأدوَاءِ الوَجْدِ عَلَى غائِبِ ربٍّ يعبدونهُ ما لهُم ألّا يُقِيموا أمرهُمْ في الميزانِ ٱلإِنسِيِّ وعَلَى الاِتزانِ في قِسطِ الظَّنِ إليهِ عقِيرتهُمُ وعِقالهُمْ يَرفعُونَ، مراتب لوْ أنَّهُمْ صدقُوا أنفسهُمْ لكانُوا في الوقارِ والٱحتِرَامِ والودادِ ولكانوا من سخرِيّةٍ ونفاقٍ سالِمِين، فالقداسَة كُلٌّ نفسهُ مِن المراءِ والنّفاقِ والكذب والزّيغ والاِنحِراف والتَّضلِيل والضَّلال يطهرُ، وإلّا هُوَ بِيَدِهِ يدرأهَا إلى كُلِّ رجسٍ، فهلْ يخدعُ الإنسَانُ عقلهُ ويجرجرُ مُهْجَتهُ إلى مستنقعِ التَّمْوِيهِ، إِلاّ أنْ يَكُون هُوَ بِعينِ نفسِهِ والآخرين وبِعين قوَّةٍ مَا إنْ كان لتلك القوَّة حضور إلَّا الأثِيمُ، محضتُ النُّصح إيهٍ إخوَّة للوعي النُّوْرَانِيِّ فٱسْمَعُوا وكُوْنُوا عَلَى الحَقِيقَةِ أنْتُمُ ٱلإنسِيُّون.

 إنَّ اليقين الطرَّيقُ الأبلجُ صِرَاطكُمْ نحو كُلِّ حَقٍّ، فلا تمويه لَهُ على درجاتٍ إلَّا على خالصةِ أمرِهِ منذ أوَّل درجةٍ هُو القطعِي التَّام في جليَّةِ الواضِحَةِ مَا عليهِ ذرة من ترابٍ ومَا عليهِ طائفٌ مِنْ ظلامٍ مكانهُ علوِيّ مَكِين، وَمَا اليَقِين في الحَقيقةِ وإنْ دُرِأ إلى مراتبٍ لتوضيحٍ إلَّا هُو ذاتهُ اليَقِينُ إِذ الحريُّ مَا عَليهِ شوائِب ولا مأخُوذ إلى ٱلْتِوَاءٍ وغير مُلقىٰ إلى زيغٍ وضَلالٍ وغِوايَةٍ وهَذيَانٍ وعمايَة وتزيِيفٍ وبُهتان، الأمثل نزعُ المراتب عنهُ فما عِلمُ اليَقينِ لِتامهِ وعينِهِ إلّا هُو ذاتهُ حقّ اليَقِين كمَا أحديةُ الواحِد في كُليّتِهِ على الكمَال، بَلِ المخادِعُون طفقُوا فِيْهِ نشاز التفسير وخبلة التّأوِيل، أولئك الذين جعلوهُ كمَا الظّنِّ سحقا لهُمْ من بلهاءٍ ومِنْ مزورِين قد أفسدوا فيهم العقل والقلب.

 إنَّ اليقِين طمأنينةُ النّفسِ وحَقّ المعتقد للأكيدِ في الثبُوتِ لا يشوبهُ ظنّ أو شكّ ولا يطرح لِتلاعبِ برهانٍ، إذ أنَّهُ عينُ الصَّوابِ في الحتمِ عنْ ريبِ الاِستِدلالِ، وأنّهُ على أجْنِحَةِ المنطِقِ لحَقِّ سُمُوِّ العقلِ والفؤاد لِضِيَاءِ العِلمِ والمّعْرِفةِ، ألآ الطّوبَاءُ للذِين في لبِّ نُوْرِ الإيْمَانِ.

 ألآ الحقُّ قولِي الذي قلت وللذِي أقولُ إنَّ الحسان للذين خيارهُمُ الحقِيقة غير منقوصةٍ ولا عليهَا من ظلمةٍ أو من رينٍ لا ولا مِنْ خلطِ مقاناةٍ وتجدِيف.

 وكلّ الطوبَىٰ للذين أمرهُم حقَّا فِي اليَقِين.


     من كتاب الإنسان الكامل النوراني لمؤلفه :

          المهندس فتحي الخريشا أبو أكبر

                            ( آدم )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق