مر خريف العمر ، ولا زالت أصوات الأطفال تستوطن ذاكرتها،على جدار روحها تنشر صورهم ، تكسوها غبار الماضي ،والوجع يكتسح قلبها،كلما هبت ريح الشوق، تلد غيمة عقيمة.
ميساء فتاة في العشرين من عمرها، تقدم مازن لخطبتها حسب الطرق التقليدية،جاءت والدته في البداية وخالته وأخته الكبرى،بعد إعطاء موعد لأهلها وموافقتهم على طلبهم، استقبلتهن والدتها بكل ترحيب وبعد أن قامت بواجب الضيافة لهن،بدأن يطرحن الأسئلة عن العائلة، وعن ميساء كالعادات المتعارف عليها،توقفن عن الحديث عندما سمعن صوت كنعومة الحرير يمتزج برائحة البن،نظرن إلى بعضهن البعض، والإبتسامات تزين وجوههن، دليل الإعجاب بها ،كانت جميلة هيفاء القوام ، قمحية اللون، عيون عسلية، شعر أسود كالحرير، لشدة عشقها للأطفال، وتولعها بهم، قررت العمل برياض الأطفال، قدمت لهن القهوة ، ثم جلست بجانب والدتها،بعد الإنتهاء من إحتساء القهوة ، وتبادل الحديث مع ميساء وإعطائها معلومات عن مازن ، سنه ، مؤهلاته العلميه ،طبيعة عمله ، استأذن بالخروج على أن يعدن الجمعة حيث وافقت عليه مبدئيا حتى يتسنى لها رؤيته والحديث معه، جاء مازن مع أهله في اليوم المحدد والإتفاق على بعض الأمور إذا تمت الموافقة بين الطرفين،بعد جلوسهم فترة وجيزة ونظراته تتشتت على الباب ووالدته ، ينتظر حضورها فقد مدحتها والدته ومدحت جمالها وكان متلهفا لرؤيتها ،حضرت ميساء وجلست بجواره، بعد أن قدمت لهم العصائر، وعندما رآها بدأ قلبه ينبض بسرعة فقد وافق قلبه عليها،ووافقت ميساء على مازن فهو يتمتع بشخصية قوية مثقف ومهندس حاسوب في شركة المانية،لقد رأت أنه الوقت المناسب لتكوين أسرة،حددوا فترة الخطبة وجهزوا لها كل ما يلزم،استمرت ثلاثة أشهر حتى يتمكنا من فهم بعضهما البعض أكثر وأكثر تحدثا في هذه الفترة عن حياتهما الخاصة وتجهيز البيت بالأثاث والألوان حتى اختيار أسماء الأولاد والبنات،اتفقا على أن تختار هي أسماء البنات وهو أسماء الأولاد قالت :أحب أن يبتدأ اسم بناتي بحرف الميم كإسمي أريد ميرة وميادة ، وماذا عنك قال: م ما رأيك نجعل جميع العائلة حرف الميم ، نسميها عائلة ميم ضحك لها وابتسمت وقالت: نعم جميل جدا قال:اذا سأختار مهند ومؤيد يكفي أربعة حتى نتمكن من تربيتهم جيدا ولا نحرم أحدا حقه،ثم نظر إليها وقال:متى سيأتي يوم الزفاف فأنا متشوق لهذا اليوم، تورد خديها خجلا نظرت إلى الأرض وقالت : اسبوعان فقط أراك تنتظره بفارغ الصبر قال: أكيد نعم وماذا عنك أنت قالت بخجل وهي تبتسم أنا ربما.
جاء يوم الزفاف الكل سعيد بهذه المناسبة ، اجتمع الأهل والجيران والأصدقاء في قاعة الإحتفال، الكل تأهب لاستقبالهم حملت البنات سلال الورد والشموع وعندما عزفت الموسيقى وفتحت الأبواب استقبلوهم بالأهازيج والزغاريد، الجميع انبهر بجمال ميساء وأناقتها كانت ترتدي فستانا أبيضا من الشيفون مزين بحبات لولو متناثرة في منطقة الصدر وبعض من اللازورد، مكياج بلمسات خفيفة، تسريحة شعر مزين بتاج مرصع باللازورد ، رقصوا على أغاني الفرح غمرت السعادة قلوبهم جميعا ، عند نهاية الحفل غادر الجميع إلى منازلهم واتجه مازن وميساء إلى المطار لقضاء شهر العسل في ربوع ماليزيا،قضيا وقتأ ممتعأ التقطا الصور التذكارية في جميع الأماكن التي ذهبا اليها وقبل العودة إلى أرض الوطن بيومين اتجها إلى السوق لشراء الهدايا التذ كارية للجميع. استيقظا في اليوم المحدد للسفر وهما متلهفان للعودة إلى أرض الوطن،اتجها إلى المطار وفي جعبة كل منهما ذكريات عن الرحلة الجميلة اتجها إلى منزلهم بعد تناول طعام الغداء في منزل أهل مازن وبحضور أهل ميساء، ومن هنا بدأت حياتهما الجديدة ، الذ هاب إلى العمل في الصباح وبعد العودة منه القيام بأعمال المنزل وإعداد الطعام الجمعة لزيارة الأهل والسبت يوم خاص لهما للترفيه عن أنفسهما ، استمرت حياتهما هكذا متفاهمان بكل أمورهما ، وبعد مرور عام على زواجهما إنتابهما القلق لعدم حدوث الحمل، لم يعيرا أي إهتمام لأهليهما بسؤالهم عن الحمل في السابق ، قررا الذهاب إلي الطبيب لمعرفة المشلكة وعلاجها، أجرى الطبيب لهما عدة فحوصات وتحاليل وحدد لهما الإسبوع القادم موعد لمعرفة النتيجة ، كانا ينتظران الموعد المحدد بقلق وتخوف جاء اليوم الموعود وعند وصولهما عيادة الطبيب بدأ القلق والخوف عليهما وهما يترقبان الطبيب أخذ مازن يتصبب عرقا وميساء تهز قدمها بقوة نظر الطبيب إلي ميساء ابتسم وقال : النتا ئج مطمئنة ولكن تحتاج إلى بعض الفيتامينات والحديد أثلج صدرها كلامه ولكنها كانت متخوفة من نتيجة زوجها كانت تحدق بالطبيب تنتظر النتيجة ومازن بدأ قلبه بالتسارع عندما فتح الطبيب ظرف الفحوصات وتمعن بها بدأ القلق على وجهه صمت برهة من الزمن ثم قال: للأسف النتيجة أنت عقيم لكن قدرة الله فوق كل شيء ولا تيأس تمسك بالأمل وأنا أعتذر منك كان هذا الخبر مثل ريح هوجاء عصفت بهما ودمرت جميع أحلامهما مرت الأيام وهم في حالة حزن شديد لم تتوقع ميساء التي تعشق الأطفال وتزوجت لتكوين أسرة أن تحرم من هذه النعمة،صارت تجمع صور أطفال الروضة وذكرياتها معهم في ألبوم خاص قد ابتاعته من ماليزيا لوضع صور أطفالها به (لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه) ذات يوم حاول مازن اقناعها أن يطلقها حتى لا يكون سببا في حرمانها من الأطفال والأمومة ، لكنها رفضت بشدة وقالت:هذا قدرنا ويجب أن نرضى به وأنا أحبك قبلها و حضنها وقال : أنا أيضا أحبك وسأعوضك عن تضحيتك بأغلى شي كنت تتمنيه لأجلي. تعاقبت السنون وقد اعتادا على حياة هادئة خالية من الأطفال بلغت ميساء من العمر خمسين بدأت علامات الكبر تكتسح جسدها والبياض يغزو رأسها. ذات يوم شعر مازن بوعكة صحية ألمت به قال لميساءيجب أن أذهب إلى الطبيب لأطمئن تأخر مازن عند الطبيب وكانت ميساء تنتظره بقلق عندما سمعت صوت الباب هرعت مسرعة إليه كان مرتبكا والذهول قد أصاب وجه قالت ميساء : ما بك أرجوك أخبرني هل هناك خبر سيء لماذا لا تتحدث؟ جلس على المقعد تنهد قليلا ثم قال: لا أظن سيكون خبرا مفرحا لك لكنه معجزة بالنسبة لي قال: صار بإمكاني صمت قليلا قالت : ماذا أكمل قالتها بنبرة حادة صار بامكاني انجاب الأطفال ، ذهلت ميساء عند سماعها هذا وكأن صدمة أصابتها قالت: لا أصدق هذا بعد أن أصبحت صحراء قاحلة حدثت المعجزة مرت أيام وهي مكسورة الخاطر وتبكي ذهبت اليه وقالت أرجوك تزوج حتى يكون لديك أطفال قال : مستحيل أنت ضحيت لأجلي فيجب أنا أيضا أن أضحي لأجلك لكن إلحاح والدته وأخواته واصرارهن جعله يغيرتفكيره وفي احد الأيام أحضر إليها هدية ثمينة ودعاها لتناول طعام العشاء في الخارج قدم لها الهدية وبعد الانتهاء من تناول الطعام نظر اليها وهو متخوف من الحديث قالت له: ما بك أنا أعرفك جيدا أمسك يدها وقال : أرجوك سامحيني أمي تريد أن أتزوج حتى يكون لي أبناء يحملون إسمي ويكونو لنا عونإ عند الكبر، تريد أن تراهم قبل أن يدركها الموت وأنا أريد أن أدخل الفرح إلى قلبها لقد اختارت لي بنت جيرانها ،ووافقت أن تكون زوجتا ثانية وأنت تعلمين كم أنا أحبك وسيكون قلبي لك فقط نظرت إليه وعيناها تذرفان الدموع قالت وصوتها يرتجف وأنا لاأحب أن يشاركني أحدا بك عش أنت حياتك كما تريد وأمك أرجوك عد بي إلى المنزل وأعطها هذه الهدية التي أحضرتها لي لم أعد بحاجة لها عند وصولها إلى المنزل دخلت غرفة النوم حملت ألبوم الصور ورحلت إلى بيت أهلها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق