الأربعاء، 22 سبتمبر 2021

لا تضيع} بقلم// علي ناصر حسين الاسدي

 {لا تضيع}

بقلم علي ناصر حسين الاسدي 

لا تضيع في زحمة الحياة٬ الزمن عنصر أساس في إيجاد وانجاز وتحقيق كل شيء، فهـو بالنسـبة للوجـود كالماء بالنسبة للحياة.. فكمـا أن الحياة لا تكون إلا بوجـود الماء

«وجعلنا من الماء كل شيء حي»..

كذلك وجود الأشياء والحوادث والأعمال لا يمكن أن يكون إلا بوجود. قال تعالى «وأنزلنا إليك الكتاب بالحـق مـصـدقا لما بين يديه من الكتاب ومهـيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهـاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحـدة ولكن ليبلوكم في ما - اليك فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه

تختلفون» (المائدة/ ٤٨). الزمن.. لذا كان الزمن عنصرا أساسا، وضرورة لايجاد الاشـاء وتحققها.. ولذا كانت قيمته وأهميته بالغة في الحياة.. أهمية الماء بالشـة لها.. فكما أن انعدام الماء يعني انعدام الحياة، فإن ضـباع الزمن وتضييعه وعدم الانتفاع به يعني انعدام القدرة على إيجاد أي شيء أو إنجاز... وبالتالي اعدام طـاقة الانسـان وامكانيته وقدرته الفكرية والمادية والنفسية.. وتفويت الفرص والمناسبات، وهدر قيمة الأشياء واعدامها

والحيلولة دون ولادتها وتكونها..

من هنا كان الزمن إلى عنصر في حياة الإنسان وأثمن شيء يملكه الناس في الحياة.. فليست الحياة بالنسبة للإنسان إلا ما يترك فيها من أثر... وإلى ما ينجزه ويحققه من فعل.. فهي حقله ومزرعته التي يزرع فيها جهده ونشاطه وطاقته وامكاناته.. ويحصد ثمار جهده ونتيجة عمله.. فهـی كما وصفها سيد الحكماء الإمام علي بن أبي طالب: «الدنيا مزرعة الآخرة»..

وكم ينسى الإنسان أهمية الزمن وقيمة العـمر، وهو كل رأسماله الذي ينفق منه، ويتصرف فيه.. وهو رأسمال محدود.. ورصيد محدود، وكل لحظة زمنية تمر من العمر تنقصـه.. وتذهب منه، ولا يمكن تعويضها وأعادتها.. فهو كمسافة الطريق بالنسبة إلى المسافر.. فكل خطوة يخطوها نقطع جزءا معينا من المسافة وتنقص الطريق لتقرب من النهاية.. لذا فالإنسان الناضج الذي يملك حسا حياتيا، وادراكا سـليا، ومعـرفة صـحيحة لقيمة الحياة وأهمية الزمن، يحترم وجـوده وحياته، ويحـرص على كل لحـظة٬ ودقيقة وساعة من ساعات العمر.. فهي جزء من حياته، يعـمـل جـاهدا على توظيفها، والاستفادة منها.. لئلا تضيع هدرا فيضيع عمره وقدرته.. ثم ينظر إلى ماضيه وفرط بعين الحسرة والندم.. وبعـد فوات الأوان وتجاوز الامكان.. ويحكي لنا القـرآن عن هذا الإنسان المضـيـع النادم، الذي أغفل طاعة الله ونسبه، وضيع عمره في اللهـو والعبث والضياع والضلال والفراغ.. ولم يستفق من غفلته وغيبة وعيه إلا في ساعة الحسرة والندم.. فيتذكر ضياع القوة والمال والجاه والإمكانات، وعدم استثمارها في الخـير وفي طـاعة الله.. فيعض على يديه ندما وحسرة، يشكو من الضياع والخذلان وسوء العاقبة.. فيصفه القرآن الحكيم ويرسم مشهده المزري وصورته البائسة المكدودة فيقول:

ويوم يعض الظالم على يديه يقول ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً ه ياويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا • لقـد أضـلنى عن الذكر بعـد الجـاء في

وكان الشيطان للإنسان خذولاً»

(الفرقان/ 28,26، ۲۹) ويصـور هذا الشخص المضيع في منظر آخـر، ملؤه الندم والتعاسةفيسجل:

«وأما من أوتي كتابه بشماله فيقـول يا ليتني لم أؤت كتابيه • ولم أدر ما حسابية • يا ليتها كانت القاضية • ما أغنى عني ماليه • هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه • ثم الجحيم صلوه»

(الحاقة/ ٢٥ – ٣١)

وهكذا يصور القرآن هذا النموذج من الناس المضيع الذي أفنى عمره في غفلة ولهو وعبث وضيع ماله وسلطانه وعمره بعـد أن خـاطبه القـرآن وأرشده في موقع آخـر من بيانه وايضـاحه الطريق والمنهـج السـوي للتعامل مع الحياة، ورسم كيفية الاستفادة من طاقة الانسـان وجهـده في مجال الخير والبناء والهداية والاصلاح.. «ولكن ليبلوكم فيا آتاكم فاستبقوا الخيرات»، فيحـدد له الهـدف والغـاية والاختبار والابتلاء، ليكشـف الانسان عن محتوى ذاته، ويفصح عن هويته وحقيقته الكامنة ــ خـيرة كانت أو شريرة ـ ويحثه على السباق والتسابق من اجـل الخير.. لا من أجل الصراع العابث، واستهلاك الطاقة في التنازع والتسابق في مجـال الشر والعداوة والضـلال والفساد.. فروح الآية ومضـمونها حـث على استثار الزمن وتوظيف للحظات العمر، ومسابقة حـركة الحياة، وعجلة المسير قبل فوات الأوان، وضياع الفرص. لذا يشرح رسول الإنسانية وترجمان القـرآن الهـادي محمد (ص) هذه الحقيقة ويوضح معناها ومدلولها بقوله (ص): «اغتنم خمسـا قبل خمس، شـبابك قبل هرمك، وصـحتك قبل سـقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك» فالرسول يدعونا إلى اغتنام الفرص واستثمار طاقة الشباب قبل المشيب. والصحة قبل المرض. والحياة قبل الموت. والفراغ قبل الانشغال.. والغنى قبل الفقر.

فقد لا يفكر الإنسان صاحب المال والقوة والوقت ومن هو في مرحلة الشباب بتلك القوة والفرص والحيوية التي يملكهـا ولا يقـدر قيمتهـا وأهميتها.. فلا يدرك ولا يستفيد من قدرته على طلب العـلم.. وقدرته على العبادة.. وقدرته على عمل الخير.. وقدرته على المشاركة في النشاطات الاجتماعية.. ولكنه يحس الحسرة والندم على تلك القدرة والحيوية عندما يفتقدها وهو في مرحلة الشيخوخة عندما يشيب وتهـرم طـاقاته وقواه، وعندما يفقد امكاناته وفرصه التي اتيحت له، وعندما يصبح عاجزا عن طلب العلم وعن العمل والمشاركة في مشاريع الخير وأعمال البر والجهاد.. الخ، فيظل يتذكر أيام الشـباب وحيوية الشـباب وتيسر له من قوة وإمكان. نادما على ما فرط فيها.. أسفا عليها يوم كان بوسعه أن يعـمل، ويكسب ويوفر، ويطلب العـلم، ويشـارك في أعمال الخير، ويتزود من العبادة.. إلخ، فكم من صاحب مال ضيع ماله ولم يستخدمه، ولم يوظفه فيا يحقق خيره وصـالحه، وكم من صاحب قوة وصحة ونشـاط قد أهدر صحته ونشاطه، وكم من صاحب وقت وفراغ قتل وقته واحـرق الزمنکا تحرق اكداس القامة، جاهلا قيمة هذا العنصر الحيوي في الحياة... وظواهر التضييع وأسبابه كثيرة في حياة الناس.. فالذي يدرس بدقة وعناية سبب مشكلة الانسان ومحنته الاخلاقية والاقتصادية والتعبدية والاجتماعية يجد ان التضييع والتفريط سبب اساس من أسباب التخلف وخلق المشكلة الحضارية الكبرى التي يعاني منها الانسان.. فالانسان يعاني من حالات نفسية وسلوكية ثلاث الاسراف:

وهو استعمال الاشياء والموجـودات، كالماء والطعام والشراب واللباس.. الخ استعالا يتجاوز حد الحاجة والصرف المعقول.التبذير:  عبارة عن اتلاف ماهو موجود ٬ من مال واشياء نافعه لدى الانسان ٬  التضييع:وهو اهمال الطاقات والفرص والامكانات وتعطيلها وعدم الاستفادة منها... فالتضييع عمل سلبي وسلوك هدام يفرزه الجهل والوضع النفسي غير السوي.. فالانسان العالم والمتعلم والشخصية السوية حريصون على ما وهبهم الله من قدرات ومن صحة وشباب ومال ووقت... الخ، يتصرفون بحكمة وواقعية، لا يفرطون بشيء من هذه الطاقات، ولا يهملون استثمارها..لذا فأن الاسلام دين العمل والواقعية كان حريصا على توظيف طاقة الانسانية واستثمارها.. طاقاتها الطبيعية والبشرية التي فيهـا خـيرها

وسعادتها في الدنيا والآخرة.فقد حبا الله الانسان بطاقات الطبيعة الخيرة المعطاء، من الارض الخصب، والماء العذب المتدفق، وثروات الحيوان والمعـادن.. وطـاقة الشمس.. الخ، ومنحه طاقات بشرية عظمى، لو أنه تصرف بها وفق منهج الهـي سـلم لأخصبت الارض، وعمرت الحياة، وازدهرت الحضـارة وعاش الانسان في ظلال الامن والسلام. لايوجد . ولو أن أهل القرى امنوا واتقوا لفتحنا عليهـم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون»

(الاعراف/ ٩٦)

«يا أهل الكتاب قدجاء کم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفـون من الكتاب ويعفوا عن كثير قدجاء كم من الله نور و كتاب مبين ـ يهـدي به الله

من اتبع رضـوانـه سـبـل السـلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور باذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم » ( المائده ١٥_ ١٦ )

ان الاسلام لم يحث الانسان وينمي وعيه وحسـه العـلمي من اجـل توظيف الطاقات والامكانات وتحذيره من تعطیلها و تضييعها وحسب... بل وجعله مسؤولا ومحاسبا عنها يوم القيامة، فهي امانة وطاقة حمل بها ورضي بحملها، وعليه اداؤها وتوجيهها الوجهة الصحيحة التي أرشـده خالقه اليها، وبين له كيفية استعمالها، فلا شيء في هذا الوجود يعرف العبث والضياع.. وكل شيء خلق بقدر، ووضع موضعه، ليؤدي دوره، ويحقـق غاية وجوده.. وما وضع بيد الانسان وحمل مسؤولية توجيهـه وتوظيفه فانه مسؤول عنه ومحاسب عليه، لذلك يأتي الحـديث النبوي الشريف ويشرح هذه الحقيقة العلمية للانسان، ليوقظ وعيه وحسه الاجتماعي والعبادي ويفجر في نفسه ينابيع الخير، ويبعده عن التضييع والتفريط والتردي في مهاوي الضياع والفقر والمعصية.. قال رسول الله (ص): «لاتزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه كيف عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيها انفقه» فالنص النبوي الشريف يفيض بالقيم والمعاني، ويفصح عن المنهج والدقة والتنظيم، ويضع الانسان امام المسؤولية الكبرى يوم القيامة.فالانسان مسؤول عن الزمن وأهميته في الحياة، وغير مسموح له باتلافه وتضييعه في الثرثرة والفراغ والنوم والكسل والمجالس الفارغةالمضيعة،

فكم من الساعات والايام والسنين يضيعها الانسان في التسكع في المقاهي والاندية والطرقات ومجالس قتل الزمن وحرقه... وقد لا يشـعر الكثير من الناس باهمية هذا العنصر فتراه يضرب موعدا مع صديقه او الزبون الذي اعتاد التعامل معـه ان كان حـرفيا او صاحب عمل ثم لا يعنيه أن يؤخر العمل، او يخالف الموعد عدة أيام أو ساعات، ولا يقدر اهمية الزمن، وخطورة تأخير الموعد، وتضييع الوقت. وملايين الساعات من الزمن تحرق في كل يوم بنوم الكسالى الذين يدفنون الزمن الحي في مقبرة الفراش، ويستهلكون الحيوية والنشاط في التمطي والتثاؤب والجلوس على الارصفة والتجوال في الشوارع والتجمعات هنا وهناك بلا هدف ولا غاية بناءة.

لقد نظم خالق الوجود الحياة البشرية، وجعل الليل للنوم والراحة...

وثبت هذا المبدأ بقوله:« وجعلنا نومكم سباتا • وجعلنا اليل لباسا • وجعلنا النهار معاشا وجعلت الصلاة عند طلوع الفجر ليبدأ الانسان يومه بالعبادة وذكر٬ وهكذا توضح لنا المباديء والقيم الاسلامية كيفية استثمار العـمر والاستفادة من الزمن وتنظيم الوقت والابتعاد عن الكسل والضجر واللهو، فالامة التي يسيطر عليهـا الكسـل والخمول ويضيع ابناؤها طاقاتهم وقدراتهم الجسدية والفكرية والمادية لهي أمة متخلفة، تعيش في آخر الامم.. تعيش أمة هزيلة تابعة لغيرها.. منصهرة في سواها. فقد حذر الاسلام الامة الاسلامية أن تقع في هذه الهاوية، وطالبها بأن تكون امة قائدة رائدة في طريق العلم والعمل، وحمل لواء الدعوة إلى الاسلام وهداية البشرية لطريق الخير والسعادة..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق