الأربعاء، 22 سبتمبر 2021

العجوز والغياب بقلم // محمد محمود غدية

 قصة قصيرة  :

     بقلم محمد محمود غدية

        ( العجوز والغياب)


فى مقهي قديم متهالك، جدرانه رطبه، فالوقت شتاء

 فوق مقعد متهالك جلس ذلك العجوز، محني الرأس على المنضدة وأمامه جريدة فى رتابة شيخوخته البائسة،  يتأمل كيف أنه قليلاً ما استمتع بالأعوام حين كانت لديه القوة و الشباب، لكن هذا التفكير الطويل يصيب العجوز بالدوار، عيناه أشبه بجمرتين تتوهجان و تنطفئان، يخرج من فمه بخار الماء غزيراً، لا يمكنه المضي إلي أماكن أخرى وبحار أخرى، لا مدن أفضل من مدينته، 

 دائماً تتبعه المدن و ملاعب الصبا و الذكريات، ما أن يتخلص من يومه الرتيب، حتي يلي آخر

 رتيباً مثله، نفس اللحظات تأتي وتمضى، ثم تحدث مرة أخرى، المطر يغسل البيوت و الشوارع أصبحت لامعة، الناس تختبئ تحت المظلات و مداخل البنايات، لا يحتسي قهوته في تلذذ كما ينبغى، لكنه يدفع بها في جوفه مرة واحدة، قفزت إبتسامة باهته بوجه العجوز، ربما سبح بخياله إلى الزمن الجميل، حيث نضارة الشباب  والأصدقاء، الذين تفرقوا كالأسنان التي تباعدت وتساقطت هى الأخرى بفعل الزمن،

كحبات المسبحة المنفرطة حين يمسكها خيط واهن، يركض الآن في بساتين البهجة، متأبطاً ذراع محبوبته التى لم يتزوجها، أمام عبثية الحياة التى وضعت فى طريقه العثرات، لأننا في الغالب لا نتزوج من نحب ولا نحب من نتزوج، ثنائية متنافرة ليست مستغربة، فلا الزواج توقف و لا أغلقت مكاتب عقود الزواج، 

هي بضاعة رائجة، قوامها قليل من الحب و قليل من التسامح  وستدهش للنتائج .

تراجعت إبتسامة العجوز، حلت مكانها إمتعاضة أظهرت الحفر والتجاعيد بوجهه،

حين توقف أمام إحدى صفحات الجريدة، هزته رعشة مفاجئة، لابد أنه الصقيع وبرد الشتاء، أحكم غلق المعطف حول جسده الناحل الذي لا يبين، والذي لو أدلي به من شرفة المقهى لأنزلق خارجه، و بقي معطفه الفارغ منه، 

يأتيه النادل بقدح ثان من القهوة فيدفع به فى جوفه، يسقط رأسه على المنضدة مستسلماً لنومٍ ليس هادئاً، لكنه نعاس خفيف تتبعه إفاقة علي عالم موحش، و لطمات مفاجئة، لا يمكن الفكاك منها، مضت ساعة ورأس العجوز ساكن لا يتحرك، إقترب منه أحد رواد المقهي الذي أفزعه سكون  العجوز المطبق، في محاولة لإفاقته، النادل يتدخل ويرفض إفاقته قائلاً :

أنه يفعل ذلك منذ عشرين عاماً، كل يوم يختار نفس المنضدة والمقعد المتهالك، ومعه الجريدة  التى لا تفارقه لأن بها صورة سيارة إبنه الوحيد التى تهشمت إثر إصطدامها بحافلة بنزين فى حادث مروع، راح ضحيته الإبن و الزوجة و الأبناء، ولحقت بهم زوجته التي تركته وحيداً،

و هذا البالطو الذي يرتديه طول الوقت كان لإبنه،

يمارس نفس الطقوس، يدفع بالقهوة في جوفه غير مستمتع بها، مفتقداً لمشاعر الألفة و الدفء،

فى غياب الزوجة والأبناء إنه الآن في إغفاءة قليلة،

متخففاً من بعض أحماله، إستعداداً لرحيل أطول   .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق