قصة قصيرة
بين اللّهو والهوى
ابنتي الخاطب بالباب ينتظر؛ ما ردك ؟....
أبي لا أريده أنا أجمل منه بكثير ألا ترى أنفه الطويل جدا وعيناه الصغيرتان جدا جدا، وقد لاحظت تقوسا على جنبات كتفيه أتريد لابنتك الباتول أن تتزوج رجلا بشعا؟!.
أبي أنا باهضة الثمن يمكنني بهذا الجمال أن أتزوج أغنى وأوسم رجل على الأرض؛ بل في الكون كله.
يا ابنتي المرأة ليست سلعة أنت تستصغرين نفسك بهذه التصرفات؛ ماذا سيحدث لك بعد موتي؟!...تركتك والدتك لي في قطعة قماش ...قمت بتربيتك وحدي، أظنني غاليت في إدلالك وأنا أدفع وإياك نتيجة ذلك.
مرت سنتين عن هذا الكلام؛ الباتول محبطة جدا والدها طريح الفراش وهي لم تجد من يقوم بمساعدتها في الاهتمام بوالدها ما عاد جارهما الكهل المحبط؛ قد كان له ابن تقدم يوما لخطبتها لكنها رفضته ففضل الهجرة ليتزوج هناك امرأة أجنبية شقراء فيعود بها في كل موسم ليتبجح أمام الباتول وهو مار في الزقاق الذي يفصل بين منزلهما.
تأزم الوضع الصحي لوالد الباتول وبدأت ملامح الموت تظهر على وجهه؛ وفجأة تحقق الحلم المرعب إذ وهي توشك على ايقاظه تجده ميتا، أجهشت بالبكاء وارتفع صراخها إلى آخر بيت في الحي أين اجتمع الجيران أمام باب بيتها ينتظرون خروجها إليهم لتخبرهم بما حدث.
انتهى الأمر الآن، توفي والد الباتول وتم دفنه لتبقى هي وحيدة، تغيرت ملامحها الجميلة وبدأ يظهر عليها التعب والارهاق النفسي؛ ترك لها أملاكا كثيرة من بينها مزرعة بالريف يشرف عليها سائس خيل كان والدها قد أوكلها إليه لكنها باتت معزولة لا أحد يكلمها أو يسأل عنها بسبب غرورها الذي عهده الجميع منها .
كان سمير رجلا فقيرا جدا لكنه أمين ومتقن لعمله، لا تهمه مظاهر الناس ولا ممتلكاتهم؛ جُلّ ما يفعله حبه للخيول التي يصحبها دائما إلى وسط المزرعة ليسيسها فتعلم أنه يعشقها فتقوم بالرقص على أنغام إشاراته وعزف أوتاره لها.
بعدما وجدت الباتول برودا في المنزل الذي عاشت فيه مع والدها لم تستطع البقاء أكثر؛ قامت بجمع كل مستلزماتها وأوصدت أبوابه وتوجهت مباشرة نحو المزرعة.
هناك استقبلها سمير قائلا : أهلا بك سيدتي؛ لقد أحزنني مصاب والدك....لم تشكره حتى ...حتى الحزن على والدها لم يقض على ذلك الغرور!!!.
توجهت إلى بيتها بالمزرعة رأت نبتة العليق قد غطت أسواره، منظره رائع لكنها لم تر يوما سوى جمالها...
بعد مدة من الزمن وهي تجوب المزرعة كان سمير يراقبها عن بعد، قلب الرجل كحبة فستق سرعان ما تنكسر ... هذا ما كانت تقوله والدته حين تراه غائبا عن وعيه دون مرض، وهي امرأة في السبعين من عمرها تعرف سر تجهم وجه ابنها منذ أن استقرت الباتول بعرض البيت المجاور لهما .
تعلق قلب سمير بالباتول لكنه لم يجرؤ على الافصاح لها بذلك، كونه سمع الكثير عن ردود فعلها اتجاه الخطاب.
رجولته وكبرياؤه وأنفته لا تسمح له بأن يفاتح إمرأة مثلها في أمر حبه لها.
طال الأمر فقرر أن يخوض المعركة ويكسب الحرب؛ هو من أسماها كذلك، تقدم ذات مرة من الباتول قائلا : أريد أن أكلمك في أمر مهم؛ قالت : تفضل.
قال : سيدتي أريد الزواج بك هل تقبلين.
نظرت إليه بسخرية ثم ضحكت ضحكات متتالية مليئة بالاحتقار ثم قالت : طبعا لا ...أنا أتزوج سائس خيل قذر؟..... مستحيييل؛ هذا الفعل حطم معنويات الرجل وقتل فيه المشاعر الجميلة التي بنى عليها أحلامه، لم يرد الرد عليها فانصرف والدموع متحجرة أسفل عينيه.
لكن والدته امرأة ذكية قالت له : يا ولدي المرأة كالفرس لا تمسك لجامها بالكامل ولا ترخي وصاله.
يا ولدي أنت ماهر في ترويض الأحصنة فهل تغلبك امرأة...فكر سمير في الأمر وقرر أن يقوم بترويض الباتول لكن كيف؟
فكر وفكر ثم قرر...سأفعلها حقا هذا ما قاله.
بدأ السائس بتجاهل تصرفات الباتول وعاد إلى حياته الطبيعية قبل أن تقتطع شطرا من قلبه؛ لكن الباتول استغربت الأمر كيف لرجل مثله لا يهتم لأمرها، كانت تتعمد الخروج كل صباح إلى مزارع أبيها فلا تعود إلاّ قبيل المغرب وكانت بين اللحظة والأخرى تنتظره ليصطحبها إلى البيت الكبير؛ لكنه توقف عن ذلك منذ أن أهانته واستصغرته، بدأت تشعر بالخوف والوحدة؛ والدها الذي عاشت معه سنوات مدللة لم يعد موجودا، لا أحد يريد معرفة أي شيء عنها الكل إذا تحدث عنها بدأ بعبارة تلك المغرورة المتكبرة المتعالية؛ لم تعد قادرة على العيش دون الاختلاط بالناس والتعامل معهم؛ فكرت في أن تضع حدا لغرورها وبدأت تزور بيت السائس لتقضي اليوم مع والدته في الحديث عن حالها وكيف آلت بها إلى العزلة بعد وفاة والدها، ورغم ذلك كان السائس يتجنبها فلا يبالي بدخولها وخروجها من بيت والدته.
يقال أن الوحدة أحيانا تزرع بذور الحب هذا ما قالته والدة السائس له حين سألها عن سبب تردد الباتول على منزلهما.
هذا الأمر ترك لوعة في قلبه فأحس أنه لن يستطيع ترك هذه الفتاة وشأنها، فسأل والدته أن تفتح معها موضوع الزواج مرة أخرى.
في اليوم الموالي كالعادة تتوجه الباتول إلى بيت المرأة العجوز فقد تعلمت الكثير من أمور الطبخ والخياطة والتنظيف على يديها، وصارت تجد متعة في الاستماع لحكاياتها عن نساء زمانها عندما كانت شابة، كما تبدأ بسرد مقتطفات فكاهية لها حدثت معها عندما كانت رفقة زوجها والد سمير السائس فكانت الباتول تضحك حتى تظهر نواجدها و يتلألأ الدمع على خديها المتوردين؛ لتزداد جمالا عمّا كانت تراه في نفسها من ذي قبل، تغيرت حالها وأسلوب معاملتها للناس وصارت تخرج رفقة العجوز لتقضيا حاجيات المنزل وتعودا وهما سعيدتان؛ وفجأة بدأت الباتول بمناداة أم السائس بأمي الحنون؛ هنا عرفت العجوز أن سبب غرور الفتاة فقدان حنان الأم فاحتوتها .
وبينما هي على هذا الحال بدأت بدورها تتقرب من سمير و تسأله العون له في الاهتمام بخيل أبيها، ولأنه طيب وودود لم يكن يرفض ذلك رغم أنها احتقرته سابقا وفي العديد من المرات دون أن يرف لها جفن أو يؤنبها قلب.
عندما فاتحت العجوز الفتاة في أمر الزواج رأت في عينيها شيئا لامعا استبشرت منه خيرا، وعلمت أن الفتاة وافقت على بداية جديدة فأسرعت لتخبر ابنها بالخبر السعيد.
تم الزواج لتعلم الباتول أن الحب لا يباع و لا يشترى إنّما يوهب، وتعلمت أنّ الحياة ليست مالا ولا جمالا بقدر ما هي احتواء قلب محب، تعلمت أنّ السعادة في كنف الأسرة خير من الوحدة المُرّة، تعلمت أنّ الدنيا ليست عيونا ولا شعرا ولا بشرة ولا طولا ولا قصرا إنّما قلب مولع يغني عن باقي الملذات التي من الممكن أن تراها ضرورة لكن الأهم منها فؤاد مفعم بالهوى.
كانت الباتول فتاة مثقفة جدا لكن ثقافتها لم تكن في مستوى الحياة فبعد زواجها من سمير و بقائها في كنف العائلة الجديدة...أنشدت بيتا تقول :
حسبت يوما أن الدنيا بلهوي تكتمل فعلمت من هوى قلبي أن اللّهو أفناني .
بقلم الأستاذة نعيمة بوزوادة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق