الأربعاء، 9 ديسمبر 2020

رحيل خريفي بقلم // موسى غافل

 قصة قصيرة

رحيل خريفي

المقطع الاول

كانوا توّاً يهبطون من العربة، فتتابعوا : ألإبن يجرجر طفليه بصمت . و تحفز فيه وجل. ووالدته: في دأبها تثاقل، و إرهاف شديد ، متوجس. والكنة: تتأبط حاجياتهم.

اجتازوا فناء الحوش. فبدت بوابة الغرفة منفرجة قليلا. دلفوا تباعا ، ليباغتوا بالمريض وحيدا. جسده في سكينة. يبدو كأنه يكابد إهمالا مزمنا. فلم تُشرّع منافذ مأواه، فلاحت عتمته موحشة. و هواؤه.. عتيقا فاسدا.

أسجي المريض ، مستلقيا على قفاه، وقد دثر بغطاء خلق عتيق.فلاحت أجواء المجتمعين.. يكلكل عليها الصمت. وقبل أن تأخذ الزوجة الكبيرة، وقتا تخلد فيه للراحة، من سفر مضن، هرعت الى مصراعي النافذة وشرعتهما.

كان واضحا : أنها ضاقت ذرعا بما هو واقع. وبدا ابنها يرقب ذلك بطول بال: لكون والده قد أهمل على نحو قاس.

حضرت الزوجة الصغيرة بخطى متباطئة.و حيّت الجميع ببرود.. مراقبة على مهل.. ما تفعله ضرّتها ، فاتجهت الى غرفتها بصمت.

حقا.. بات من اللازم أن يتجدد الهواء، حتى يتسرب العفن خارجا و يكون الهواء رائقا. لكن .. هناك ما ينبغي عمله . منها مثلا: تغيير الفراش و الشراشف.و بالذات شرشف الوسادة، الذي بدا داكنا . كذلك الغطاء و خلع ملابسه بكاملها.، و غسلها جيدا و تهيئة إناء كبير من الماء الدافئ لاستحمامه رغم إن هذا قد يغيظ الزوجة الصغيرة.لكن.. هذه أمور.. لا بد للزوجة الكبيرة أن تتريث و تنجزها دون إبطاء.

كان الراقد بالكاد يجهد نفسه ، لملاحظة ما يجري. متطلعا لولده بذاكرة خائنة. إذ لم تساعده على معرفة الكل.في حين جلس الولد الى جانبه، متحسسا عصب يده الضامرة. و الأوردة الذاوية.

فعل ذلك قائلا.. بصوت واطئ، كأنه يتحاشى..أن يؤلمه بكلامه:

ــ كيف حالك ...؟

قال الأب مكابرا

- العافية بيدالرب.

قال الإبن :

- هو المعافي.. هل تعرفت علينا؟

اكتفى الأب ببسط يده ... مظهرا جهله.

قال الإبن:

_ هذا أنا ولدك. وهذه أمي و زوجتي.

بكت الأم ، فقال الإبن:

_ ستغيّر أمي وزوجتي كل هذه الأشياء.

أجهد الأب نفسه ليقول:

_ ألحّت زوجة أبيك.. لكن.. لآ أقدر .

قال الإبن:

_ حسنا يا أبي ..هي طيبة . لكن.. لا وقت لديها.

ظل الأب ينتكس ، فيغط بغفوة طويلة.

أشارت الزوجة الكبيرة الى الكنة، لتسرع بغلي الماء، و إبدال ملابسه.

قالت الزوجة الصغيرة للكنة:

_ أرأيت؟إنها توحي بحرصها أكثر مني. لماذا لا تأخذه معها؟

قالت الكنة التي تحظى بعلاقة طيبة مع الضرتين:

_ ولكن حالته متردية، وملابسه بحالة سيئة.

قالت الزوجة الصغيرة:

_ إذا كان الإبن حريصا ، فليصطحبه معه. فأنا امرأة وحيدة ، ولا أدبّر أمري.

قالت الكنّة:

_ دع الهذر و اعطني أشياءه.

هتفت الزوجة الكبيرة بكنّتها مظهرة امتعاضها :

_ أين سرحت أيتها الثولاء؟

جمعت زوجة الإبن أشياءه. هيّأت القدر. ووضعته على الموقد.و طفقت تسرع الى المريض.

قالت العمّة:

_ اسرعي و اطلبي من الثولاء الثانية، قليلا من الحليب و الرز، و هيّئي حساءً.قال المريض بصوت مُجهدّ:

_ لم.. تكن ثولاء.. لم تقصر.

قال الإبن بصوت رقيق:

_ يا أبي .. هي لم تقصر. ولكن عليك أن تضع شيئا في أمعائك.

قالت الزوجة الصغيرة - أمام غرفتها- للكنة:

_ و يأكل؟!

وبّختها الكنّة:

_ أو.....ه ما أقساك!

بعد أن هيّأت الكنة الحساء، أسرعت بالماء الدافئ.

قال المريض بكلمات واهنة متقطعة للكبيرة:

ما الذي.. تفعليه .. أيتها المرأة؟

قالت:

ــ لا عليك ــ أيها المسعد ــ ساعدني فقط على خلع ملابسك.

قال:

ــ هي.. أيضا .. ألحّت .. لا أستطيع.

قالت :

ــ حسنا .. اتكئ عليّ .

أومأت أن يغادروا . خرج الولد و الكنة والأطفال.

أغلقت الكنة مصراعي النافذة، ومن ثم الباب. وشرعت الكبيرة تخلع ملابسه . وتدفعها من خلف الباب.

أول ما لاح لها : ذلك الجرح ، الغائر خلف كشحه. كان أثرا لخنجر أخيها : بسبب هيامه ، استمات لكي يفوز بها .

كان يتجاوزها بفارق زمني واضح . جازف بحياته مرات عديدة ولم يفض الأمر . إلاّ بزواجه منها. فزوّجوها لقاء ما يملك. من ماشية و حصان و محراث وغير ذلك. لم يبق لديه : سوى عباءة ليس غير .يتدثران بها شتاءً.وفي الصباح يرتديها و يمضي للحقل.

كم من زمن اقتضى ليشفى؟ مررت يدها هناك فتحسر. كأن أيّامه قد استيقظت . لاحظت إن الجرح كامن ..تحت رهال إهابه لاحظت أيضا.. ضمورا ما ألفته من قبل ، لتينك المنكبين العريضين . وأردافه .. ناتئة العظام و ضامرة.

قالت :

ــ اتكئ عليّ .

موسى غافل

يتبع


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق